منقول:
http://www.algeriachannel.net/?p=2180


مجزرة ملوزة بني يلمان بين الحقيقة والتزوير
أضيف بتاريخ 07. ديسمبر, 2009 من طرف المحرر في أخبار وتقارير - 14 قراءة
بقلم عمران جعجاع
1-
تكلم وكتب الكثير عن بني يلمان وهم لا يعرفون حتى موقعهم الجغرافي، فقط يتحدثون عن الواقعة التاريخية أثناء ثورة التحرير كما نسميها جميعا، لقد أطلق الاستعمار على لسان ضباطه يوم المجزرة اسم دوار ”ملوزة” وهو دوار مجاور، وكنا نظن أنها هفوة أو زلة لسان، لكن الصحافة العالمية التي كانت حاضرة سجلت الواقعة باسم ”ملوزة”، ثم ظهر لنا بعد الاستقلال أن التسمية كانت مقصودة وهادفة وبتواطؤ مع جهات وطنية أثناء الثورة وبعدها، وأن انتقام الاستعمار من بني يلمان كان رهيبا، وسيأتي تفصيل ذلك. توجد بلدية بني يلمان شمال غرب المسيلة بـ60 كلم وهي الولاية حاليا، وعن دائرة سيدي عيسى بـ40 كلم شرقا وشمالا.
يتربع دوار بني يلمان على مساحة حوالي 100 كلم مربع، كان يسكن سكانه مشات عند سفوح الجبال وعدد هذه المشاتي أو التجمعات السكنية 13 مشتة التي تكون الدوار منذ بداية القرن الماضي 1900 بينما كانت قصبة بني يلمان هي المجمع الأساسي للسكان من قبل وجود الأتراك، وقد شهدت القصبة مقاومة ضد الاستعمار الفرنسي أثناء ثورة المقراني وبومزراق، وبقي عدد من شبابها حين ذاك متمردين سماهم الاستعمار وعملاؤه ”منافقين” ينشرون الرعب بين عملائه حتى توفوا.
وقد حاول الاستعمار أن يبني لهم مدرسة في بداية القرن الماضي قرب القصبة كلف بها معلم جاؤوا به من القبائل يحمل على صدره الصليب، وقد حاول طويلا إقناع الناس بتسجيل أبنائهم، لكن اعتقاد الناس أن من تعلم الفرنسية فقد ارتد عن الإسلام، ولم يجد هذا المعلم المسيحي أو المتمسح مخرجا من خيبته غير الصعود إلى جبل خراط المشرف على القصبة ويلقي بنفسه منتحرا من قمة الجبل، غير أن الناس اعتادوا أن أولياء الله من سكان الأضرحة هم الذي ألقوا به، ومن عامها صار الناس يذبحون ثورا كل عام يطلقون عليه ”فرد خراط” ولم تنقطع هذه العادة إلا بعد الاستقلال بسنوات.
هاجر الشباب من بني يلمان بعد الحرب العالمية الثانية إلى أرض فرنسا وإلى الجزائر العاصمة بحثا عن العمل عند الفرنسيين هروبا من المجاعة وسنوات القحط، وقد انخرط الكثير منهم في الحركة الوطنية (حزب الشعب) وكان الكثير منهم معلقا بشخص مصالي الحاج إلى حد التقديس في انتظار الثورة والجهاد وفتح أبواب الجنة وساعة الانتقام من المستعمر.
الناس والثورة
بدأت تباشير الثورة تصل إلى أسماع الناس يأتي بها أناس يرتادون الأسواق أو بعض المدن في شكل قصص تكاد تكون أسطورية، ومن الخوارق التي ليس لها مثيل في عالم الواقع فمرة يرون المجاهدين وقد تحولوا إلى طيور جارحة تفتك بأعدائها فتكا، ومرة يتحولون عند حصارهم إلى قطيع من الغنم، كل هذه الأخبار تأتي من الأوراس قبل أن تصل تباشيرها إلى جرجرة ثم إلى جبل الأطلس الجنوبي، وما كان يمر شهران على اندلاع الثورة حسب المفهوم التاريخي المعروف بأول نوفمبر، لأن هذا التاريخ لم يعلم به الناس إلا أخيرا، فلم تكن هناك وسائل إعلام ولا منشورات مكتوبة ولا ذكر لتنظيم اسمه جبهة التحرير، فالتنظيم الذي يسمع به الشعب هو حزب الشعب الذي كان الناس ينتظرون منه الثورة، لأن الشعب لم يكن يعرف أو يسمع بغير حزب الشعب كحزب تحريري، أو جمعية العلماء للإصلاح الديني ومحاربة البدع والخرافات، كل ذلك كان يرد على صفحات جريدة ”البصائر” التي يقرأها طلبة القرآن بمفهومهم الخاص فيتقبلون بعض الآراء وينكرون البعض الآخر إذا تعلق الأمر بحرب الأولياء سكان الأضرحة، أما ما يتعلق باستبداد الحكام الفرنسيين وظلم عملائهم القياد فذاك شيء متفق عليه.
لم ينتظر الناس طويلا ليروا هذه الأساطير تتحول إلى حقيقة، ففي شتاء 1995 وكان عاما أجدب لا زرع فيه إلا وريقات تشتكي الجفاف، كان الناس يتابعون عن بعد وصول طلائع المجاهدين من الشمال (القبائل) في اتجاه الجنوب، حتى حل فصيل مؤلف من خمسة وثلاثين رجلا، لم تكن الأخبار حين ذاك تنتقل سرا، فالإدارة الفرنسية لم يكن لها وجود، لا إدارية ولا أمنية إلا في المدن، تعلق بهم الناس، ولم يغادرهم الأعيان ليلا ونهارا، وتسابق المتيسرون لاستضافتهم، حتى الأطفال تركوا كتاتيبهم القرآنية وصاروا يحلون وراءهم أين ارتحلوا بين بيوت الأغنياء يتناولون بقية الطعام ويستمعون إلى الأناشيد الوطنية، بعد صلاة العشاء، وخاصة ”فداء الجزائر بروحي ومالي” وعلى مأساة سطيف وخراطة، لقد كانت أصواتا منسقة وحزينة تبكي الرجال، وتزغرد لها النساء من وراء الجدران، ويتسابق الأطفال في حفظها، لكن الذي كان يجذب الأطفال أكثر تلك السلاسل النحاسية لحمائل الذخيرة وتلك البنادق النصف آلية التي تسمى استاتي، وما كان يعجب الأطفال تلك الوقفة التي يقفها هؤلاء الجنود صفا واحدا ويتحركون في حركة واحدة وكأنهم رجل واحد، كان أكثر هؤلاء الجنود ملتحين، خاصة قائدهم القصير القامة ذو اللحية الطويلة التي أصبغت عليه هيبة ووقارا.
بقي هذا الفصيل، الذي يحمل شعار حزب الشعب وجيش التحرير، والنجمة والهلال مرسومة على القبعة، في الدوار وفي الدواوير المجاورة، حتى ملّ منهم أناس ولم يعد لهم ذلك الحماس، وعاد الأطفال إلى كتاتيبهم وألواحهم، ثم أشيع بين الناس أن ممثل مصالي وقائد جنوده قد وصل إلى الدوار رفقة كتيبة لجيش التحرير، إنه محمد بن لونيس، كان رجلا طويل القامة عريض الكتفين مملوء الوجه كثيف الشعر ذو شوارب تكاد تصل إلى أذنيه، لم يعرف عنه أنه ابتسم، لا يتكلم إلا نادرا تبدو عليه الصرامة والجد في كل كلمة يقولها.
بقيت هذه الفصائل تنتقل بين الدواوير المجاورة، فلا معارك ولا اشتباكات ولا وجود للقوات الفرنسية، وصار الأمر عاديا بالنسبة للسكان، حتى حل بالدوار أحد القادة يسمى إبراهيم ويطلق عليه الناس إبراهيم البراق، لأنه كان إذا هدد شخصا بالقتل قال ”برقوا عنه”، كان يقود أكثر من مائتي جندي بأسلحة نصف آلية، وبنادق صيد بالإضافة إلى السيوف.. كان يختار جنوده من ذوي القوة البدنية، كان عنيفا في قوله وفعله، يحمل شعار حزب الشعب ولا يعترف بابن لونيس، سأل إن كانت توجد مصالح فرنسية بالدوار أو حولهم فأخبروه أن في دوار ملوزة مدرسة في طور الإنجاز، وفي دوار أولاد عبد الله مركز بريد به هاتف، فبعث جنودا ومدنيين لتدمير المنشأتين، وكان هناك سوق في اولاد مسلم جوار بني يلمان من الغرب، كان يأتي السوق القايد ولمخازنية وحراسه، فكان أن بعث جنودا فقتلوا القايد وبعض حراسه ولم يعمر السوق من يومها من بداية .1956
لم يبق إبراهيم ”البراق” طويلا في بني يلمان والمنطقة، فقد نشر الرعب والخوف الشديد، فهو يعاقب عن أي كلمة تصدر من شخص لا تعجبه، وكان يفرض غرامات وعقوبات جسيمة على متناولي التبغ بنوعيه، توجه هذا المغامر بجيشه الذي يتجاوز المئتي رجل في اتجاه الجنوب الغربي، وقضى على جنوده في مدة لا تتجاوز الشهرين في عمليات ارتجالية ومغامرات غير مدروسة، هذا ما أخبر به من نجوا، وهذا ما علمناه، حين ذاك من عبد الرحمان العائد إلى أهله.
وقد تعود الناس على جنود الحركة الوطنية التابعين لابن لونيس وقد أحبهم الناس لحسن سلوكهم وتواضعهم وتمسكهم بالدين وحسن المعاملة، فهم يتناولون من الطعام ما تيسر إحضاره، وينامون حيث وجدوا مكانا، ويجلسون بين الناس بتواضع وبساطة، وبما أنها لا توجد أهداف فرنسية يمكن مهاجمتها، ولم تتجرأ القوات الفرنسية للخروج من المدن لمهاجمتهم.
حتى كان يوم الإثنين 22 ماي 1956 حين شاهد الحارس المدني على قمة جبل سيدي جاد قرب قرية القصية، شاهد غبارا كثيفا قادما من مدينة المسيلة، فأخبر غيره عن طريق الصوت المباشر أن يخبر الجيش بما يحتمل أن تكون قوات فرنسية قادمة، فكان أن وضع الجيش وكان عدده يربو عن المئة والخمسين رجلا في حالة استنفار.
في انتظار وضوح اتجاه القافلة عند مفترق الطريق فقد تكون متوجهة إلى دوار ملوزة، لكن القافلة العسكرية عرجت غربا في اتجاه بني يلمان، ونظرا للبطء الذي تعاني منه في تحركها على طريق صعب غير معبد دون سفوح الجبال، حيث مشاتي السكان، هؤلاء السكان الذين تركوا بيوتهم وممتلكاتهم واختفوا بين الصخور في الجبال، في انتظار هدف هذه القوة الفرنسية، التي لم تتوقف وواصلت طريقها، غرب بني يلمان قرب حدود أولاد مسلم، وبناء على الاتصالات التي يجريها الحراس والتي تشير إلى اتجاه هذه القافلة فقد وضع الجيش لها كمينا على سهل بوخدي، وبدأ الاشتباك معها في حدود منتصف النهار إلى درجة الالتحام، وبعد قليل حضرت أربع طائرات حربية بدأت تلقي قنابلها ورشاشاتها في محيط المعركة ووسطها، وبعد ساعة أو أكثر حضرت طائرتا هيلوكوبتر فكانت تحط لتطير في اتجاه الشرق، وقد كانت تروح وتجيء حتى المساء في أربع رحلات، وفي هذه الملحمة وأثناءها كان شباب بني يلمان من المسبلين وقرب الجنود في ميدان المعركة يمدونهم بالماء، أو يسحبون الجرحى الذين غالبا ما يتوفون لقلة الإسعافات وبدائيتها.
واستمر الاشتباك حتى المساء يقوى ويضعف، وأثناء الليل كان ميدان المعركة تحت القنابل المضيئة، والقذائف الطائشة في اتجاه القصبة التي تبعد عن الميدان بحوالي 4 كلم. تفصلها عن الميدان منحدرات حادة وأودية صعبة، كان ابن لونيس يراقب الميدان من القصبة عبر منظار من وراء الصخور العاتية، عاد الجنود أو نصفهم جماعات صغيرة قبل منتصف الليل وبعده إلى قرية القصبة منهوكي القوى يعانون من التعب والجوع والعطش، وملابس وأحذية ممزقة فاستقبلهم الرجال واستقبلتهم النساء بالزغاريد وما تيسر من طعام، وتضميد للأرجل المتورمة، وتحدث الناس عن المعركة وبالغوا واختلقوا قصصا، بين خصمين غير متكافئين لا في العدد ولا في العتاد، ولكن الشيء المتفق عليه، أن هؤلاء الجنود قد اكتسبوا احترام الناس وحقت فيهم كلمة مجاهدين وجيش التحرير بعد أن ملّ الناس رؤيتهم من غير جهاد ولا حرب، دفن الناس الشهداء في شعاب متفرقة على عجل، وتحصلت القوات الفرنسية على سبع جثث حملتها معها إلى مدينة المسيلة وفي طريق العودة وجدت المسعود بن عزوز فقتلته وتركته.
أما الشهداء فوضعتهم القوات الفرنسية في ساحة ترابية، وجمعت الشعب لرؤية (الفلاڤة) المتمردين، وبما أنها أول معركة في المنطقة وأول شهداء يشهدهم الناس، يحكى وقتها أن سكان مدينة المسيلة باتوا ليلتهم في حداد فلا ضوء في البيوت ولا عشاء، بينما أبدى اليهود الذين كانوا يعيشون بين السكان لا يختلفون عنهم في شيء إلا عطلة السبت، قلت أبدى اليهود في تلك الليلة تشفيهم وإبداء سعادتهم فباتوا محتفلين يغنون ويمرحون، لكن هذه الليلة كانت نهاية تواجدهم في المسيلة، وقد كانوا معززين مكرمين، ففي الصباح وجد عدد منهم مطعونين بالسكاكين أمام محلاتهم التجارية. فما كان من القوات الفرنسية إلا أن أجلتهم نهائيا.
ودفن الشهداء في تلك الساحة، وسموها الناس ساحة الشهداء قبل الاستقلال، لكن السيد مسؤول جهاز الحزب في السنوات الأولى من الاستقلال أبت عليه نفسه النضالية أن يكون الشهداء من غير جبهة التحرير ومن غير دواره، فاستخرج جثامين أموات من قريته ودفنهم في ساحة المسيلة ليطلق عليها ساحة الشهداء بصفة رسمية، بينما بقيت عشرات الجثث في أماكنها تجرفها السيول، لأن منظمة المجاهدين تأبى عليها كرامتها أن يكون المجاهد أو الشهيد من غير ختم جبهة التحرير ولا يسمح للشعب أن يدفن قتيل الاستعمار من غير موافقة منظمة المجاهدين!
لم تعد القوات البرية إلى بني يلمان، وعم الهدوء تتخلله من حين لآخر حضور الطائرات المفاجئ، فالطائرة الصفراء كما كانت تسمى طائرة مزعجة فأزيز محركها يشبه طلقات زخات رشاشها، فلا تعرف إن كان صوت المحرك أو طلقات رصاص، فهي أتت ثلاث مرات، في إحداها فاجأت لخضر بن التومي يركب بغله ويحمل فأسه أمامه فأطلقت عليه وابلا فقتلته وبغله.
وعادت الطائرتان مرة أخرى فوجدت بحرية تحمل ابنها الصبي ذا الأشهر دون الستة فأطلقت عليه وابلا أسقطه من يدي أمه قتيلا دون أن تصاب أمه، وكأن الطيار يراهن على إصابة الهدف دون غيره.
وعادت مرة أخرى في عملية مسح للجبل دون قمته وهي تقترب من جنباته تطارد قطيع الماعز المتسلق وراء الشجيرات التي يرعى عليها، فراح الطيار يرهبه ويزعجه بطلقاته الرشاشة وصوت المحرك فتفرق القطيع، غير أن لمنيعي راعي القطيع خرج من وراء الصخرة التي اختفى وراءها ووضع حجرا مناسبا في (معقاله) وانتظر الطائرة لتعود، فلما كانت دونه لوى معقاله وهو يرى الطيار دونه وراء غطائه الزجاجي ورماه بالحجر فأصابه في الزجاج وكاد الطيار أن يفقد صوابه ويصطدم بالجبل من المفاجأة ثم ارتفعت الطائرتان وذهبتا، وشعر الشاب الراعي يومها أن إسقاط الطائرة ليس بالأمر الصعب.
يتبع
http://elkhabar-hebdo.com/site/news-...how-id-481.htm
2-
مجزرة بني يلمان بين الحقيقة
الجزء الثاني
في خريف سنة 1956 بدأت أخبار يتناقلها بعض الناس بأن هناك تنظيما مضادا لحزب الشعب يسمى جبهة التحرير، وأن اشتباكات تجري بينهما في الدواوير المجاورة شمالا انطلاقا من بلاد القبائل، وما كادت هذه الأخبار لتعم حتى وصل تنظيم الجبهة إلى بني يلمان وبدأت الاشتباكات تحدث بين التنظيمين ويسقط الضحايا من الطرفين، لكن الناس كانوا ينظروا إلى ما يحدث أنه مخالف لما كانوا يعتقدون.
فهم يرون أن النصارى هم العدو، أما هؤلاء المتقاتلون فهم من أبناء جلدة واحدة، بل أكثر من ذلك أنهم كلهم أو أكثرهم من القبائل، لكن هذه الاتهامات الكلامية بينهما، فكل طرف يدعي على الآخر أنه عميل للاستعمار ويحذر الشعب من مغبة التعاون معه، فلم يصدق الناس في قرارة أنفسهم هذا الطرف أو ذاك لأنهم يرون المتعاون يأتي على ظهر دبابة فرنسية.
أما وأن كليهما يحمل شعار جيش التحرير فذاك أمر يصعب التصديق به، لم يصمد بن لويس طويلا في بني يلمان فانسحب جنوبا كما انسحب من الدواوير الشمالية من قبل، ومن هنا خلا الجو لتنظيم الجبهة أو من يحملون شعارها، وكونوا تنظيمهم على أنقاض تنظيم المصاليين، ولم تعد الرغبة عند الناس رغبة جهادية تأتي من الذات عفوية، بل أصبح الخوف سيد الموقف، فالطعام والمأوى والتبرع والاشتراك، لم يعد طلبا بل كان آمرا لا يقبل المناقشة، وكان هذا ما لم يلحظوه عند رجال بن لونيس الذين كانوا يمتازون بالتواضع وحسن الخلق واستعمالهم للهجة القبائلية فيما بينهم، فإذا رأوا من بينهم من لا يفهم لهجتهم تكلموا بلغة الناس التي يفهمونها، وعلى العكس من ذلك جنود الولاية الثالثة فقد كانوا يشترطون لطعامهم لحم الغنم ويرفضون الماعز، بل يحذرون منه، كما أن أكثر عباراتهم المتداولة كلمة خبيث يطلقونها على كل شخص بدا على وجهه التذمر، كما أن قتل الكلاب بحجة أن الكلاب بنباحها تكشف وجودهم لقوات الاستعمار وهم يعملون أن الاستعمار لا وجود له في الدوار ولا في الدواوير المجاورة، وأنهم يتحركون في الليل والنهار بحرية، ولكن تأكد للناس أو بعضهم سوء النية عند هؤلاء الجنود عندما يأتي بيته جندي ويطلب منه أن يذهب لحراسته حتى ينام قليلا لأنه متعب وسهران، فما يكون من المواطن، إلا أن يخرج زوجته وبناته ليقوموا بالحراسة معه ويترك له المنزل، فما يكون من ذلك الجندي إلا المغادرة والعودة خائبا، ومن ضمن عيوب هؤلاء الجنود وانعدام تكوينهم السياسي قول بعضهم أن هذه الأرض هي بلادنا وأن وطنكم يوجد ما وراء جبال بوسعادة في الصحراء.
هذه الكتائب التي كانت بقيادة (الروجي) زحفت جنوبا لتطهير الأرض المفتوحة الشبه صحراوية من جنود بن لونيس الذي هيأ لها الكمائن في أرض يعرفها جنوده وأباد أكثرهم.
ثم حلت كتيبة ببني يلمان لنفس التنظيم (الجبهة) بقيادة الملازم رابح الثايري فأعاد تركيب تنظيم المسبلين فكانوا 15 مسبلا، وكان الرجل وجنوده ليست فيهم مساوئ من سبقوهم، وبقوا بين الناس أياما مكرمين، وما استنتجه الناس من خلال هذه الممارسات لنفس التنظيم، أن في القيادة خللا وليس في الجنود، فالجندي خاضع لأوامر قائده وهو مثله المقتدى.
استمر الوضع هادئا لا تعكره إلا بعض المناوشات على أطراف الدوار، فقد كان جنود بن لونيس يأتون من الجنوب ويشتبكون مع جنود الولاية الثالثة وينسحبون جنوبا لعل لاستدراجهم إلى كمائن وضعت لهم، لكن نظام الجبهة كان هو السائد، حتى حدث يوما ما لم يكن في الحسبان، لقد شاهد سكان قرية القصبة حوالي ثلاثين جنديا على بعد حوالي كيلومتر، لم يتفاجأ الناس وظنوهم جنودا لجبهة التحرير، وقد غادروا القصبة في الليلة الفائتة، لكن الدهشة أصابت من رأوا هؤلاء الجنود أنهم فرنسيون ومعهم جنود جزائريون، دخلوا قرية القصبة واستباحوا كل شيء بما فيها الحرمات وتدمير المواد الغذائية وتحطيم ما يمكن تخريبه قبل أن يجمعوا كل الرجال وينادي الضابط الفرنسي على المسبلين بأسمائهم، فوجدوا ثلاثة عشر من 15 فوضعوا القيود في أيديهم وقادوهم خارج القصبة، حيث تركوا آلياتهم على بعد ثلاثة كيلومترات وعند باب القصبة سأل الضابط الفرنسي المعتقلين، من رئيس المجموعة؟ فقال له محمد بن جديدو: أنا رئيسهم. فقال له الضابط أنت الفلاڤ الكبير.
فقال له نعم نحن كلنا فلاڤة والشعب كله فلاڤة، فما كان من الضابط الفرنسي إلا أن نزل عليه بهراوة في يده فكسر أطرافه، ثم أخرج مسدسه ليفرغه في صدره ورأسه، واقتيد 12 إلى الآليات التي تركها الفرنسيون في السهل بعيدا ولم يروها، ولو رأوها ما خطر في بالهم أن قوة فرنسية تأتي هكذا راجلة وهي التي لم تدخل القصبة حتى عند هزيمة المقراني. وبقي الثوار حين ذاك متشبثين بأسوارها الطبيعية ولم يستسلم إليها (المنافقون) كما أطلقت عليهم وقتها على كل متمرد ضدها.
كل ذلك جرى صباحا قبل منتصف النهار، وفي المساء جاء جنود الولاية الثالثة إلى القصبة فلم يلتفت إليهم أحد، وواجهتهم فتاة جرحت كرامتها على يد الفرنسيين قبل ساعات قائلة لهم أين أنتم من المصاليين الرجال الذين واجهوا فرنسا وهي بمدافعها وطائراتها وأنتم لا تأتون إلا لطلب الأكل. فقال لها رئيس الفصيل: كان بإمكاننا إبادة هذه المجموعة، لكن خفنا عليكم من الانتقام، فقالت له: وهل يكون أكثر مما وقع لنا أيها الخوافون، اذهبوا عنا فإننا نكرهكم.
وقد اختفوا بالفعل ولم يعد لهم وجود في القصبة، وشعر الناس بشيء من الراحة والهدوء الذي يسبق العاصفة، لكن حدث ليلة من ليالي أفريل بعد اعتقال المسبلين الإثنى عشر وقتل رئيسهم، أن طرق جنود الباب على المسبلين الاثنين اللذين لم يعتقلا وكانا يسكنان خارج القصبة، فأخذا ليلا من فراشهما إلى مشتى لعشيشات في دوار ملوزة وأعطوهما معاول لحفر قبريهما، فذبحوا الأول والآخر ينظر ولم يكمل بعد حفر قبره لكنه جازف وأراد أن يموت بالرصاص، وكان قوي البنية فانتهز فرصة الظلام والثلج المتساقط وشد جنديين فسقطا في الحفرة وأطلق رجليه هاربا والرصاص ينهال من خلفه واختفى في الظلام حافيا وفي قميص النوم الذي وجدوه عليه وبات يجري عبر جبال وصخور يغطيها الثلج حتى وصل إلى مركز أولاد ثاير ببلدية بن داود، وبعد أن استرد عافيته استقدم أسرته ولم يحمل سلاحا لا عسكريا ولا مدنيا، حتى وقعت واقعة بني يلمان الكبرى.
بعد أيام أو أسابيع من هذه الحادثة التي كان ينتظرها المغدور بهم أن تأتيهم من قبل القوات الفرنسية لتلحقهما بزملائهم القابعين في سجن سطيف، ولكن لا يمكن اعتقالهم ليلا في عز الشتاء.
في هذا الشهر حل ببني يلمان أربعة ضباط لجيش جبهة التحرير، طلبوا من أعيان بني يلمان أن يجتمعوا بهم، وكان لهم ذلك، بحيث اجتمعوا في المسجد بمشتى حميان، وكان لهؤلاء الضباط ميزة خاصة لم تتوفر فيمن سبقوهم، فأخذ الكلمة رئيسهم سي البشير وهو مثقف وسياسي، فكان من ضمن ما قاله ”أنهم يقولون عنكم يا بني يلمان أنكم تناصبون العداء لجبهة التحرير، وإن قلتم بأننا لا نريد الجبهة فإننا سنترككم وما تريدون”.
فسكت الجميع ولم يكونوا مستعدين لمثل هذا السؤال، فتكلم زميله نصر الدين مشجعا إياهم على الإجابة وأنه يعاهدهم أن لا يقع لهم شيء مهما كانت إجابتهم.
رفع الحاج عيسى يده: نحن لا نرفض أحدا ولا نملك حق الرفض نحن شعب لا سلاح لنا ولا قوة، فمن طلب الاشتراك أعطيناه ومن طب الطعام والتبرع أعطيناه، أحببنا أم أبينا، فلا يوجد من بينهم نصارى، فشكره سي البشير على صراحته.
فقام بلعباس وأخرج رزمة فإذا بها سبعمائة ألف فرنك تبرعا، وقام غيره فأعطوه بما أمكنهم، فوصل المبلغ إلى ثلاثة ملايين ثم ودعوا الناس وخرجوا تحت جنح الظلام.
لم يدر أحد أين توجهوا، فالوقت ليلا والكتمان كان من أساسيات الثورة، لقد شعر الناس يومها براحة واطمئنان إلى هؤلاء الرجال الذين رأوا فيهم النموذج المعبر عن المجاهدين الحقيقيين.
وبعد يومين رأى سكان مشاتي بني يلمان من الجهة الشرقية طائرتين تغيران على مشتى لعشيشات في دوار ملوزة، والدخان يتصاعد من أحد الأكواخ، وتساءل الناس عن تلك الغارة وأهدافها، فتبين أن المستهدفين كانوا الضباط الأربعة، شعر الناس بحزن شديد على هؤلاء الرجال. وبقي السؤال قائما إلى اليوم من وشى بهم وبأي وسيلة تم الاتصال بالمركز الفرنسي الذي هو بعيد، فلا يوجد حينها هاتف ولا طريق معبد ولا سيارة أصلا؟ ومن استفاد بالمبلغ المالي الذي كان في حوزتهم ولم تحضر قوات برية فرنسية لتطهير الموقع.. هذه الأسئلة كان يمكن الإجابة عنها من قبل من كانوا متواجدين مع الضباط، ولماذا لم يستهدف الجنود الذين كانت تعج بهم المنطقة طيلة مدة ناهزت السنة.
عمّ الهدوء خلال ربيع 1957 فلا كتائب تغدو وتروح ولم يعد صوت البارود يتردد صداه في الجبال بين الإخوة الأعداء، فالربيع زاهر وسنابل القمح والشعير بدأت تبدي ثمارها وقد هيئت لها المناجل في انتظار نضوجها ولا خوف عليها إلا من رعود البرد المدمرة أو من الجراد الصحراوي الزاحف والطائر، فحياة الفلاحين وبهائمهم تتقرر في هذا الشهر، حيث ينضج الشعير جنوب الجبال قبل شمالها في منتصف ماي.
الخيانة المقنعة بالجهاد
وفي هذا اليوم 28 ماي 1957 وفي الصباح الباكر خرج الفلاحون من مختلف المشاتي المتباعدة والمتقاربة إلى حقولهم يحملون مناجلهم وماءهم متوجهين إلى الحقول لحصاد الشعير، وغير بعيد من بيوتهم وجدوا جنودا يطلبون منهم التوجه إلى مشتى القصبة، حيث يعقد اجتماع ويلقى القائد خطابا، عاد من سمع الخبر أو الأمر إلى بيته بوضع منجله ولبس أفضل ما لديه من لباس ووضع في جيبه ما أمكن مما يمتلك من فرنكات للتبرع كما جرت العادة في نهاية كل اجتماع، غير أن الاجتماعات كانت تعقد مساءً في الليل. أما اليوم فإن الدعوة جاءت في اجتماع جاء في الصباح الباكر.. هذه تساؤلات حضرت في الأذهان، لكن أمر الجيش لا يتطلب المناقشة أو النقد، توجه الناس إلى القصبة وراء الجبل عبر مسالك صعبة، وسمع بالأمر من بكروا إلى الحقول فعادوا والتحقوا بالمجموعات التي يرافقها جنود أو تسير بمفردها، وقد كانت مجموعة أخرى من هذا الجيش فقد بكرت إلى مشتى القصبة فأخرجوا منها النساء والأطفال واحتفظوا بالرجال، وعندما وصلت الجموع في كل المشاتي وجدوا بيوت القصبة خالية من سكانها إلا الرجال، فأدخل الجنود الشعب إلى مسجد القصبة الصغير ووزعوا الباقي على مختلف بيوتها التي تشبه الجحور، وكانت الساعة حينما دخل الجميع بين العاشرة والحادية عشرة صباحا، وإذا بأزيز الطائرات يصم الآذان وتكاد تتساقط جدران البيوت، وانتظر الناس قنابلها كلّما اقترب أزيزها، لكن ما لاحظه بعض المدعوين من منافذ تلك البيوت أو من شقاق الأبواب المغلقة عليهم، أن هؤلاء الجنود الذين كانوا برفقتهم قبل قليل لم يختفوا من الطائرات ولم يخفوا سلاحهم، فبدأت بعض الظنون تساورهم، ولكن لم يجدوا جوابا لشكوكهم، فهؤلاء الذين استدعوهم وجاءوا برفقتهم ليسوا نصارى، إنهم قالوا بأنهم جيش التحرير، لكن الطائرات لم تؤذهم، لعلها خافت أن تصيب الشعب فاكتفت بالتحليق عن قرب، لكن هناك زخات من الرصاص تطلقها في أطراف القصبة من الشرق.. فماذا تضرب؟
لم يدر من أضحوا محتجزين وأغلقت عليهم الأبواب ومنع عنهم الماء وقضاء الحاجة، وتحولت معاملة الجنود لهم من لين إلى قسوة ومنع السؤال والكلام، لم يعلموا بما يحصل في مشاتيهم التي غادروها باكرا، أن هناك مجموعات صغيرة لنفس الجيش تجتاح المشاتي التي غادرها رجالها تعيث فسادا، حيث أحرقوا السيارة الوحيدة لأحمد دحدوح، ومطحنة بايزيد، ومنزل عيسى بن دحدوح ومنزل الصديق، وقتلوا الشيخ التيلو الكفيف وقتلوا معلم القرآن عبد القادر، وقتلوا الشيخ الضيف المريض وهو يحتضر وقتلوا الشيخ لخضر لأنه لا يستطع حراكا وهو شبه كفيف، كل ذلك يجري تحت نظر الطائرات وهم يركبون خيولا وبغالا يحملون عليها من أثاث وزرابي من صوف، كل هؤلاء قتلوهم بحجة أنهم تخلفوا عن الدعوة للاجتماع. أما الطائرات فكانت تطلق رصاصها على البغال والبقر التي تركها أصحابها ترعى في الحقول.
كما كانت امرأة في مشتى سولي تحمل صبيا لم يتجاوز السنة أطلقت عليها وابلا من الرصاص أسقطها وسقط الصبي من يدها وتدحرج عبر المنحدر، ومن يومها شب الصبي شبه قزم ولا زال المسعود وهذا اسمه يتخيل وضعه.
اختفى من كانوا في طريقهم إلى الاجتماع بين صخور الجبال وفي الشعاب وهم يرون الطائرات تقتل البهائم، ويرون من الجانب الآخر السيارة والمطحنة والبيوت وإطلاق الرصاص من حين لآخر، ولم يجدوا تفسيرا لذلك، فلم تأت القوات الفرنسية لتقوم بذلك، فمن يقوم بذلك، فإن كانوا جنود جيش التحرير، فلماذا لا تطلق عليهم النار؟
أهُمْ رجال حركى، كما كان يسمع الناس أن هناك جزائريين جندتهم فرنسا لأغراضها وتحقيق أهدافها.
تلك الأسئلة فرضت نفسها ولم يجد لها الناس جوابا.
هناك غبار كثير يظهر قادما من جهة المسيلة بعد ساعة، إنها قافلة عسكرية بعد مدة ظهرت أنها قادمة إلى بني يلمان، انقطع أزيز الطائرات وانسحبت شرقا، وفي حوالي الساعة 14 وصلت واستقبلتها النساء والأطفال الذين كانوا هائمين على وجوههم عبر الجبال وكذلك الرجال الذين كانوا في طريقهم إلى الاجتماع، كل هؤلاء لجأوا إلى القوات الفرنسية والذين كانوا إذا شاهدوا غبارها من بعيد غادروا ديارهم واختبأوا في الجبال، هاهم الآن يستقبلونها بالبكاء طالبين نجدة ذويهم المحتجزين هناك في بيوت القصبة بعدما تبين لهم أنهم سيقتلون، فالذين قتلوا الشيوخ والمرضى والمكفوفين لا يتورعون عن قتل من استدرجوهم إلى اجتماع كما أوهموهم، لكن القوات الفرنسية لم تهتم بالأمر، وانهمك جندوها ينصبون الخيام ويشربون أنواع الخمور المحفوظة في مبردات وعوضوا الأطفال المنهكين عطشا وجوعا بأرجل حافية دامية وأجساد شبه عارية، نعم عوضوهم عن آبائهم بقطع الحلوى والشيكولاطة التي لم يتذوقوها من قبل. عاد أكثر الرجال إلى قمم الجبال المشرفة على القصبة ليطلعوا على ما يحدث عن كثب حتى المساء وبقية الليل.
فتساءل بعضهم هل يقتلوننا؟ وأجاب غيرهم: ولِمَ يقتلوننا.. وهل فعلنا ما يستوجب قتلنا؟ قال غيرهم لعلهم يبحثون من بيننا على متعاونين مع بن لونيس؟ وقال غيرهم إن المتعاون أو من كان متعاونا مع بن لونيس لا يحضر بإرادته ويرضى أن يموت بطلقة رصاصة ولا يسلم رقبته لعدو يذبحه، كل هذه الأسئلة والتساؤلات كانت تجري خلف جدران وأبواب مغلقة وسط جو متعفن وحلوق جافة من شدة العطش، ولا يقطع هذا الصمت إلا قهقهات وصرخات وشتائم يكيلها عيسى بن يحيى الذي أنهكه القيد فمرة يستغرق في الضحك ومرة يسب الجنود سبا لاذعا، والناس يعتذرون عنه أنه مجنون منذ شبابه ولا لوم عن أفعاله وأقواله، لكن الناس طالما سمعوا منه كلاما ينبئهم فيه عن حوادث تقع، وبالأمس فقط طلب من عجوز أن تصنع له شخشوخة وتكثر لها الدهن، فلما وضعتها أمامه وضع يديه فيها ورمى بفتاتها إلى السماء، قال مع كل رمية: ”هذا نعيكم يا بني يلمان”.. وكان دائما يشير إلى رقبته وهو مستغرق في الضحك أن هذه الرقبة سيذبحها الكفار الملعونين.
بدأت الشمس تنزل نحو المغيب عندما دخل الجنود كل بيت فيه محتجزون وطلبوا منهم أن يسلموهم كل ما في حوزتهم من بطاقات هوية ونقود وساعات وكل شيء في جيوبهم، وبعض الملابس الجديدة.
بدأ الجنود يخرجون المحتجزين في كل دفعة خمسة، وظن الناس أن الفرج قد جاء فصاروا يتزاحمون على الأبواب، وأكثرهم لم يعد قادرا على الوقوف، فيخرجون الخمسة ويعودون لأخذ خمسة آخرين، وهم يذهبون بهم إلى بيوت أفرغت لهذا الغرض ثم يذبحونهم بالسكين وهم غير قادرين على المقاومة، حتى قاومهم واحد وفر هاربا فأطلقوا عليه الرصاص، فعلم المحتجزون أن من خرجوا ذبحوهم، وفي هذا الوضع ارتفع الصراخ والتكبير من المسجد والبيوت، وهنا صبت النار على الجميع وفي ظرف دقائق كانت الجثث ساقطة على بعضها والدماء تنزف من كل جرح حتى صارت بركا، ولم يبق إلا من يئن متألما من جرح فنزلوا عليه بالفأس أو ذبحا بالسكين، وعندما خمدت كل الأصوات بدأوا في اختبار بعض من يشكون في موته فيضعون على رجله نارا فإذا ما تحرك ذبحوه أو هشموه بفأس أو شاقور، بل هناك من تركوا النار تلتهمه حتى تفحم جزء منه، ومنهم من استأصلوا أعضاءه المستورة.
ولم يبق غير جنود رفضوا القتل قتلوهم في المكان، قيل 9 وقيل 11 جنديا، وقد دفنوا مع المواطنين، وانسحب الجنود تاركين خلفهم أكثر من 300 جثة تسبح في برك الدم وقطع من المخ المتطاير من جرّاء ضرب الفؤوس، سمع من كانوا في الجبل المشرف على القصبة إطلاق الرصاص الكثيف فعلموا وتأكد لديهم أن الإبادة كانت جماعية رهيبة.
وما كادت تباشير الصباح تظهر حتى هرع الجميع نحو القصبة من مختلف الجهات وأغلبهم باتوا في الجبال عن قرب، وقد سمعوا صوت الرصاص، فكانت النساء الحافيات متورمات أرجلهن من الأشواك والحجارة يتبعهم أطفالهم الكبار والصبية وهم في وضعية أسوأ من أمهاتهم، والتقى الجميع وراء صخور القصبة، فلم يجدوا غير جثث متناثرة هنا وهناك ومتراكمة في المسجد والبيوت.
ووقع الجميع متجمدا فلا صراخ ولا نداب، وقد جفت العيون من الدمع طيلة ليلة في العراء، وقد رؤوا الجثث منتفخة ومشوهة، فالتفتت القلّة من الرجال الذين فلتوا من الفخ عن طريق الصدفة، التفوا يبحثون عن معاول يحفرون بها المقابر الجماعية، ومنهم من عادوا إلى المشاتي القريبة يبحثون عن المعاول والبغال لحمل الجثث، وفتحوا القبور القديمة خارج سور القصبة، فألقوا فيها الجثث، وغيرهم من النساء والأطفال يحفرون القبور الجماعية، حيث يكون التراب هشا، وفي هذا الوضع وقد ارتفعت الشمس حارة ملتهبة زادت الجو حرا، فالريح الجنوبية حولت الأفق أصفر مما تحمله من غبار صحراوي، في هذا الوقت اهتزت جنبات الجهة بأزيز الطائرات المروحية الضخمة التي بدأت تنزل تباعا وينزل منها عشرات الأشخاص يحملون على صدورهم آلات تصوير يرافقهم عدد من العسكريين من الضباط الفرنسيين الكبار وضعوا المناديل على أنوفهم وراحوا يلتقطون الصور للأموات ومن يدفنوهم من نساء وأطفال وبعض الرجال، ووقف ضابط فرنسي كبير يصرح على مايبدو فليس هناك من الشعب من يفهم لغته، وليس هناك من هو منتبه إليه، كان كل الاهتمام منصبا على معرفة الوجوه وسحب الجثث إلى المقابر أو الحفر الفوضوية المهم تغطيتها بشيء من التراب لسترها.¯
يتبع
عمران جعجاع
3- ( سيتم إضافة الجزء الثالث بعد تجهيزه قريبا، في انتظار ذلك يمكنكم مطالعة جميع الأجزاء على هذا الرابط: إضغط هنا بي دي أف )


4-
مجزرة بني يلمان بين الحقيقة والتزوير
ثم إن هؤلاء من أصبحوا حركى ليسوا أحرارا في تحركاتهم فهم تحت قيادة الضابط الفرنسي، لا يتحركون إلا بأمره، وإلا كانوا قد انتقموا من الأبرياء وأحدثوا مجازر لا تقل عما حدث لذويهم، ولم تمض غير أيام حتى فتر الغيظ وصار لأهل ملوزة بدورهم مركز للقوات الفرنسية وأضحى منهم حركى ودفاع ذاتي، كما كان الحال في كل الوطن الريفي من أجل حماية النفس واتقاء الإرهاب والإرهاب المضاد، وعادت اللحمة بين القريتين يجمعهما سوق واحد ومركز فرنسي يجمع حركى القريتين تحت قيادة فرنسي واحد، ولم يسمع طيلة ما بقي من سنوات الثورة عن حدوث أي اشتباك مسلح.
منحت الهيئات الإنسانية منحا نقدية للأرامل والأيتام بالإضافة إلى المساعدات الغذائية والصحية، وأضحى بني يلمان مقصدا وسوقا تجارية للدواوير المجاورة لتوفر النقد وتوفر الأعمال، فاليد العاملة أضحت مطلوبة للبناء وبيع الحطب والفلاحة والرعي، واستمرت الأمور مستقرة حتى الاستقلال، وهنا دخل الشعب أفراح الاستقلال فرقص الصغار والكبار، وجاء جنود الولاية الثالثة بالمئات وهم مجندين حديثا، ولكن يدعون أنهم مجاهدون يقودهم أناس لهم خبرة عنصرية وانتقامات جهوية، وكادوا يحدثون مجزرة أخرى، وقد أشهروا سلاحهم على الشعب المحتفل بأفراح الاستقلال، لو لم يتدخل أحد ضباطهم ويمنع تكرار الجريمة، لكنهم كانوا يقومون باختطاف البعض ليلا ويتوجهون بهم إلى برج خريص غرب بني يلمان، لا لجرائم ارتكبوها بل فقط للتسلية والإهانة والابتزاز المادي، وصار الكثير من الناس يبيتون ليلهم في الجبال خوفا من الاختطاف أثناء الليل، وكان من جملة هؤلاء المختطفين الحاج الميهوب وهو شيخ يتجاوز الستين، كانت مهنته التي شب عليها تجارة البيض الذي كان يجمعه من البيوت متنقلا على حماره ويعيد بيعه لتجار الجملة، لم يحمل سلاحا قط ولم يغادر بيته عندما هجر كل الناس مشاتيهم، ولكنهم أعجبهم فيه قصر القامة وروح المرح، فأخذوه ووضعوه في حلقة ونزعوا عمامته وراحوا يرقصونه بين الناس والضربات تلاحقه حتى سقط ميتا من العياء والإهانة.
فرض على الأيتام الزكاة وتبرعات واشتراكات، فجمعت الأغنام والصوف والزرابي والقمح، وسلبت الأرامل والأيتام أقواتهم ومواشيهم، بعد أن قطعت عنهم المنحة التي كانت تقدمها الهيئات التي انسحبت بانسحاب القوات الفرنسية.
ولم ينته هذا الرعب وهذا الإرهاب إلا باكتساح الولاية الأولى والسادسة المنطقة وزوال التقسيم الولائي في معركة حرب المواقع بين العقداء، والداخل والخارج، والشمال والجنوب، والسباق على الغنائم مما تركه الفرنسيون الهاربون بجلودهم وبما خف وغلا، وترك مساكنهم الفخمة، وورشاتهم الصناعية والمزارع، كل ذلك كان يتم احتلاله أو بيعه لأشخاص بيعا صوريا والحكومة لم تقم لها قائمة بعد، لقد كنا نرى الرجل المسلح يدخل المسكن ويعلق على بابه العلم الوطني فينهب ما فيه ويسلم جدرانه إلى ذويه، وينتقل إلى غيره. وقد استفادت من هذا السطو فئة اعتبرت العاصمة من ممتلكاتها المشروعة والتاريخية.
*** تشويه الحقائق وتزييف التاريخ
كانت أول خطوة قامت بها الحكومة هي تسيير الإدارة المعطلة أو شبه المعطلة بعد أن تركها الأوربيون، وهنا ليس للكفاءة والنزاهة مكان فالتعلم لم يكن إلا في فئة كانت قد هيأتها فرنسا عندما فتحت المدارس لجهات معينة عام 1958 وهي تعلم أن الجزائر حتما ستأخذ استقلالها بالثورة أو بدونها، لأن عهد الاستعمار المباشر قد ولى بعد نهاية الحرب الكونية الثانية، كما كانت قبل عامين في 1956 سمحت للطلبة من أبناء موظفيها من الثانويات والجامعات ليلتحقوا بالثورة في الخارج وتحت مظلة جبهة التحرير التي لم يعترف بغيرها في الخارج والتي وحدها تتحدث باسم الشعب الجزائري في ظل الصراع العالمي والحرب الباردة بين الاشتراكية التي تساند الحركات التحررية والاستعمار الغربي الامبريالي.
وكان لمصر وبغداد دور رائد في فتح إذاعات موجهة تخدم التحرر على النهج الاشتراكي والإيديولوجية الماركسية.
تكون طلبتنا في الخارج على هذه الإيديولوجية وبثقافة فرنسية، كما أوعزت إلى الضباط وضباط الصف المجندين في صفوفها للالتحاق بالثورة وكسب المراكز القيادية التي لا يمكن لغيرهم أن يحتلها، وتحت هذه المحضنة وتحت درجة حرارة معينة خرجت لنا ديناصورات بدلا من كتاكيت وديعة.
فعند الاستقلال مباشرة وجدنا طلابنا عادوا من الخارج وزراء وقادة يحملون فكرا شيوعيا إلحاديا وثقافة فرنسية لم تحقق فرنسا الجزء اليسير منها طيلة وجودها ووجدنا العناصر الأخرى التي تكونت إلى مستوى القراءة والكتابة تحتل الإدارة وتسيرها حسب الأهواء، وضباطنا الصغار استحالوا عقداء ثم برتبة لواء.
والواقع أنه لا يوجد للوطن الجديد غيرهم، فطلاب الأزهر والزيتونة والشام وبغداد، حثوهم على العودة للجهاد ليتبوءوا مكانهم في الجنة فقتل أكثرهم بأيادي يعلمها الله وقد تحقق لهم ما أرادوا.
ولا أرغب في الذهاب بعيدا في متاهات يصعب الخروج منها، ونعود إلى قريتي الشهيدة وما ألحقوه بها محترفو الجريمة وهي التي أعرف عنها كل كبيرة وصغيرة.
بعد الاستقلال أدمجت البلديتان ملوزة وبني يلمان، وتكونت بلدية ونوغة والمقر العام في ملوزة، وبذلك مسح اسم بني يلمان من الخريطة الجغرافية الإدارية، وعوضت ملوزة بونوغة، ولم تكن المسألة عفوية بل كانت مقصودة بسوء النية.
ناضل سكان بني يلمان مدة عشرين سنة من أجل استرداد هويتهم، في اسم بلديتهم، وخلال هذه الفترة المذكورة، وغياب بني يلمان عن الإدارة والمنظمات الجماهيرية، فكل الأختام كانت في يد أهل ملوزة يقف وراءهم من يشجعهم ويدعمهم ممن يخشون من بعث أموات بني يلمان ويوقفونهم لأنهم مسؤولون.
وعندما صادرت لنا بلدية بدأنا في الدفاع عن القضية، قضية المذبحة، لكن وزارة المجاهدين ومنظمتها اللتين كانتا متواطئتين بشكل مباشر في التزييف وطمس الحقائق، لأن العناصر المهيمنة على هاتين الإدارتين متهمة في ارتكاب الجريمة لأن أكثريتهم من الولاية الثالثة، وهنا يحضرني تصريح الضابط الفرنسي الكبير يوم قال للصحافة العالمية: هذه قضية ملوزة، ولم تكن زلة لسان ولو كانت كذلك لتم التصحيح، لا أن يسجلها العالم والوطن بالذات بعد نصف قرن من الاستقلال، وفعلا كلما أردنا التعريف بقضيتنا صعب على المسامع فهمها. فملوزة هي ونوغة، وبني يلمان هم ملوزة، ولطمس الحقيقة أكثر راح المضللون يمنحون شهادات الشهداء لأهل ونوغة بقدر عدد شهداء المؤامرة في بني يلمان.
ونحن لا نحسدهم أن سجلوا كل أموات الأربعينات والخمسينات وما بعد ذلك، فالأموات كانوا يدفنون هكذا من غير طبيب شرعي ولا إسقاط من الدفتر العائلي الذي لم يكن له وجود في الغالب، وما دام الشهود المزورون متوفرين ووزارة المجاهدين ومنظمتها تشجع على ذلك المهم أن بني يلمان يبقون معدومين من طرف الثورة كما يحلوا لهم القول ولا يمكن لثلاثة شهود ومن القتلة أنفسهم أن يشهدوا لثلاثمائة.
أما عدد المجاهدين الأحياء فلا يمنع من الحصول على هذه الشهادة من رغب فيها، ليس هذا هو المهم إنما الذي يدمي الفؤاد أن ملء الاستمارة يتم على حساب بني يلمان والمعتقل اعتقل في بني يلمان وهكذا يسجلون لأبنائهم تاريخا من الحقد والضغينة، والواقع وأقولها جازما أنهم لا يجدون معركة ولا اشتباكا واحدا حدث على أرضهم طيلة السبع سنوات عدا الغارة الجوية التي قتل فيها الضباط في مشتى لعشيشات كما ذكرنا.
أذكر على سبيل المثال ما جرى من تزوير هائل يتفق عليه الجميع، وأقول الجميع من شهود الزور للمنطقة من الولاية الثالثة: انطلقت الندوة الولائية لكتابة التاريخ تحت إشراف محافظ جبهة التحرير يوم 1984/01/01، وحضر الندوة حوالي 200 مجاهد، ولنترك لهم ما سجلوا من معارك وملاحم كما خطر في مخيلاتهم، فتقرير بني يلمان يقول باختصار في هذا اليوم 28 ماي .1957
فبعد تحذيرات وإنذارات قدمها ضباط جيش التحرير ليكفوا عن تعاونهم مع نظام بلونيس المصالي، وبعد إيقاعهم بالكثير من رجال جيش التحرير على أرضهم، قرر قادة الثورة تكليف الملازم عبد القادر البريكي بناءً على مراسلة وردت من قيادة الولاية الثالثة وشارك في هذه العملية أعراب نقيب + مسطاش سليمان نقيب.
وأثناء العملية تدخل الطيران بشكل مكثف مما زاد في عدد الضحايا من الخونة تمثل في سقوط 375 منهم وأسر 18 بسلاحهم ولم يصب أي جندي من جنود جيش التحرير.
إذن ففي هذه الحالة يمكن أن تسمى معركة لكن مع من؟
هذا خيال ساذج، مثال هؤلاء من قال عنهم رئس الجمهورية الشاذلي بن جديد ”التاريخ يكتبه من صنعوه” وهو يعطيهم الضوء الأخضر.
إذا سلمنا بهذا القول فإن التعاون الفرنسي مع هذا الجيش تعاون لا لبس فيه، والتعاون كان فعلا موجودا كما أوردنا سابقا، لكن ليس بهذه الطريقة السافرة.
في التقرير ورد هذا على لسان المؤرخين أو صناع التاريخ، أن جيشهم للتحرير قد اعتقل 13 وقتل واحدا وفر الثاني، حقيقة اعتقلت القوات الفرنسية 13 فقتلت رئيسهم على الفور، وذهب بـ12 إلى السجن والاثنين بقيا في حالة فرار، حتى أخذا من فراشهما، فذبح الأول وهرب الثاني، إذن التعاون واضح بين الجيشين.
ما عجزت عن تحقيقه القوات الفرنسية مباشرة حققه عملاؤها تحت شعار جيش التحرير.
والواقع أن الحكم الذي صدر على المعتقلين لمدة سنة كما كان حكما بالإعدام، لأن العفو وتخفيف الحكم كان يصادف موعد المجزرة، فبعد أسبوع من إطلاق سراحهم تمت المذبحة أهي الصدفة أم أن المخطط والتنسيق كان يقتضي ذلك؟
وهذه قائمة المسبلين المعتقلين:
.1 بن جديدو محمد أعدم فورا
.2 رقيق السعيد
.3 بوقرارة اسعيد
.4 بن جديدو بلقاسم
.5 غربي الميلود
.6 قويسم أحمد
.7 شيشي التومي
.8 بن تريعة الطاهر
.9 بن تريعة الحاج
.10 مياح عمر بن لخضر
.11 قراب أحمد
.12 نفطي الهادي
لقد تم اعتقالهم في شهر سبتمبر .1956
وتمت محاكمتهم في 1956 10 02 في سطيف وأطلق سراحهم في 1957 05 14
فهل فرق القتلة بين المسبلين وباقي الشعب؟ وهل هؤلاء مثل الخمسة أشخاص الذين كانوا يسكنون أكواخا في أطراف العاصمة منذ الأربعينات، فعادوا إلى الدوار ليقوموا بالعمل الفلاحي ويجمعوا قوت أولادهم بعد أن طردوا من أعمالهم لأنهم التزموا بالإضراب الذي دعت إليه جبهة التحرير في جانفي 1957، وقتلوا جميعا في المجزرة.
في عام 1982 بمناسبة عيد الاستقلال العشرين وفي شهر نوفمبر قال أحد المدعين أنه ضابط فيما سماه جيش التحرير في الولاية الثالثة، بل قال أنه كان مساعد عميروش الأول، استولى الرجل على ميكروفون الإذاعة الوطنية، وللإذاعة كان باع طويل، وفي برنامجه ”حوار حول الثورة” راح السيد عبد الحفيظ أمقران يجنح كطائر، ولم يترك مكانا من الوطن إلا وتناوله بالمحص والتقييم فبرأ وأدان من أدان وأحصى كل شيء عددا، فالمعلومات التي أوردها عن الثورة من الحدود إلى الحدود لا تحصل عليها إلا قيادة الأركان في زمن الاتصالات الحديثة بالأقمار الصناعية، تبعناه شهرا وهو يحط ويطير يزكي من يشاء ويدين من يريد، حتى وصل إلى بني يلمان ”ملوزة” وهنا خرج الرجل عن وقاره وراح يستعمل كل عبارة ثقيلة مما تختزنه نفسه، فكلمة خائنين وخبثاء ومتعاونين وغيرها كان يستعملها بإسراف مفرط، ولا يمكن تناول ما أورده هذا… إلا حزمة من الشتائم نترفع عن ردها، لكن الهدف الذي كان يسعى في الوصول إليه والتأكيد عليه، هو أن يجعل من القضية مسألة عروشية وأن عرش بني يلمان كان إلى جانب بلونيس وملوزة كانت مع الجبهة.
إن بني يلمان انتقموا من أهل ملوزة الذين شاركوا مع الجيش في المجزرة، وهذا هو الخطأ بعينه وجهل الرجل بفلسفة الثورة التي لا تعطيك حق الاختيار للطرف الذي تريد، اللهم إلا إذا كنت مسلحا في الجهة الأخرى، وهنا لا يمكن أن يطلب منك عدوك أن تضع السلاح وتتكبد مشقة الطريق لحضور اجتماع يدعو إليه.
كذلك إذا كان قد حضر المجزرة مسبلون من أهل ملوزة، كما قال صاحب الحوار، لا يمكن أن يفعلوا فعلتهم ثم يذهبون ليمكثوا في بيوتهم في انتظار اعتقالهم وقتلهم.
أما إذا كان الهدف هو إفراغ القضية من محتواها وجعلها في إطار عروشية فهذه العقبة قد تم التغلب عليها وعادت اللحمة بين الإخوة الجارين.
لكن لماذا لم يسمح لنا بالرد لتوضيح الحقيقة وإفحامه بالحجة القاطعة حتى يسمع الناس على الهواء من الطرفين.
وتقدمنا فعلا بهذا الطلب إلى مدير الإذاعة والتلفزيون السيد نور عبد القادر، الذي قال لا يمكنني السماح بالكلام أو الرد إلا إذا كان مجاهدا يحمل بطاقة الجهاد من نفس الولاية، هذا أمر منظمة المجاهدين. ¯يتبع
عمران جعجاع
الجزء الرابع
http://elkhabar-hebdo.com/site/news-...how-id-520.htm
5-
مجزرة بني يلمان بين الحقيقة والتزوير
تكلم وكتب الكثير عن بني يلمان وهم لا يعرفون حتى موقعهم الجغرافي، فقط يتحدثون عن الواقعة التاريخية أثناء ثورة التحرير كما نسميها جميعا، لقد أطلق الاستعمار على لسان ضباطه يوم المجزرة اسم دوار ”ملوزة”، وهو دوار مجاور، وكنا نظن أنها هفوة أو زلة لسان، لكن الصحافة العالمية التي كانت حاضرة سجلت الواقعة باسم ”ملوزة”، ثم ظهر لنا بعد الاستقلال أن التسمية كانت مقصودة وهادفة وبتواطؤ مع جهات وطنية أثناء الثورة وبعدها، وأن انتقام الاستعمار من بني يلمان كان رهيبا، وسيأي تفصيل ذلك.
ولو علم أن هذا الدوار يبعد عن حدود الولاية الرابعة بحوالي (60 كلم) هذه الحدود الوهمية التي لم يكن لها وجود حقيقي، كان عرضها أكثر من 150 كلم، ودوار بني يلمان عرضه حوالي (06) كلم من الغرب فلم اختارت دورياته العابرة إلى تونس على بعد حوالي (650 كلم)؟ اختارت هذه الطريق أهو مدخل نفق إلى تونس أم فيه محطة القطار الوحيد إلى تونس، وهل سقط جنوده على يد القوات الفرنسية أم قوات بلونيس على أرض دولة بني يلمان المتمردة؟
ثم نجد بورڤعة يبرر المجزرة لأن الولاية الثالثة ضامنة لسلامة عبور رجالها، مادامت دولة بني يلمان هاجروا إلى فرنسا حركى لدعم القوات الفرنسية هناك على أرضها.
وهل هذا الكلام يحتاج إلى تعليق؟
ويقول أن الواجب كان يبرر فعل الولاية الثالثة ولو كان ضد القانون، وإذا كنت ثقيلا في كلامي الممل بتكرار كلام يصب كله في هدف واحد ألا وهو محاولة إدانة بني يلمان وتنظيف يد الإجرام والخيانة.
كل الذين ذكرتهم وذكرت مضمون أقوالهم أن قيادة الولاية الثالثة كانت اتخذت القرار الإجرامي مع سابق الإصرار والترصد – كما يقول رجال القانون – وقد صرح محمدي السعيد إلى كتاب وصحافيين وإذاعة، وإلى التلفزيون الفرنسي (05) صرح ضمنيا أنه الفاعل. فقلت لما لا أذهب إلى الرجل واسأله بنفسي، لعله يقول غير الذي قال أو قيل عنه، ولم يكن منزله بعيدا عني في القبة، وحاولت وأنا قاصد منزله أن أضبط أعصابي حتى لا أستفز وأُستفز.
فقصدته مساءً يوم ,1983 03 20 فخرج إلي من يخبره بحضوري، وبعد قليل جاء، فسألني مباشرة عما أريد وإن كنت صحافيا أم مؤرخا؟
فقلت اهتم بالتاريخ، فقال لي عد إليّ مساء الخميس، فأنا الآن مشغول مع العمال في الترميم، فودعته وأنا خارج فاستوقفني قائلا: وما الموضوع الذي نتحدث فيه؟
قلت قضية بني يلمان أو ما يعرف بـ”ملوزة”.. راح يجيب مباشرة ونحن واقفين في ساحة منزله ولم يستطع الانتظار إلى الموعد.
فقال هذوك كلهم خونة، قلت له: وما نوع الخيانة؟
هل كانوا مجندين مع الاستعمار؟ أو كانوا مسلحين في صفوف طرف آخر مضاد للثورة؟ قال: لقد قتلوا لنا ما شاء الله من رجال جيش التحرير على أرضهم، وأنهم كانوا يعرقلون الولاية الثالثة في مرورها إلى الجنوب لأنهم في مكان استراتيجي.
قلت: بما أنهم غير مسلحين وغير مجندين مع أي طرف، فكيف يتحمّلون المسؤولية؟ وأنا لا أعرف غير رجل واحد قتل على أرضهم وهو محافظ جبهة التحرير (مزيان) الذي قتل على يد محافظ من رجال بلونيس هو أحمد بوجملين، وهو ليس من أهل بني يلمان؟ قال لي: أنت منهم؟
قلت: وما زالت رجلي على الجمر، فراح يمشي إلى الخلف حتى أغلق بابه وراءه.
وتركني أخرج وحدي، فتأكدت أن الرجل فعلا كان يؤنبه ضميره ويحاول أن يجد مزيدا ممن يؤيد جرائمه، وإلا ما كان أن يفرغ محتوى صدره ولم ينتظر حتى الخميس كما رغب في ذلك.
جبهة التحرير تتبنى الجريمة بالصمت
إذا نظرنا إلى التاريخ نظرة لا نخشى فيها لومة اللائم، نجد هذا التنظيم قد قام بعملية انقلاب ضد مشروع وطني ساهم فيه هؤلاء الأشخاص الانقلابيون، وقد اختطفوا القدر بعد أن نضج طعامها، فالحركة الوطنية دفعت الكثير من خيرة أبنائها البارين، بقيادة زعيمهم الذي بذل شبابه وكهولته بل حتى شيخوخته في خدمة هذا الشعب، فناضل في الوطن وفي أرض العدو وفي الحرية ووراء القضبان، وهيأ الشباب للثورة، فكون الخلايا ووزع السلاح، وانتظر المناضلون ساعة الصفر، وقد أصبح الشعب مهيئا لأي ثورة ولا يهم من يقودها، فأي شرارة تلقى ستنشر في الوطن لهيبا، فلم تكن للأسماء معنى، مادام الشعار جهادا وتحريرا، وقد سكت الزعيم مادامت الغاية واحدة، فلتكن جبهة التحرير أو غيرها من الأسماء، وصار الحزب حزبين والجيش جيشين، الجبهة تتهم مصالي بالتخاذل، ومن بقوا أوفياء للزعيم يتهمون رجال الجبهة بالتمرد والتسرع بل والعمالة للاستعمار، ويسكت الزعيم فهو تحت الإقامة الجبرية في باريس ويتهمه أعضاء الجبهة بالخيانة لأنه لم يؤيدهم في انقلابهم عليه، ويتهمه الأوفياء بأنه تخلى عنهم في ساعة الحسم.
ويبقى الشيخ صامتا ويموت صامتا ويدفن ليلا في صمت، واستكثروا فيه بعد موته اسم مطار يحمل اسمه، لأن الجبهة لازالت حاكمة وهي الخصم والحكم. لكن يكفيه أن يموت وهو يرى العلم الذي حاكه بنفسه يرفرف، ومازالت الجبهة تحمل اسم التحرير رغم كل الدلائل التي تشير إلى أن طرد مليوني أوروبي من الوطن كان لا يختلف عن احتلال عدة آلاف لهذا الوطن وهم لا يؤمنون لا بدينه ولا بلغته ولا بوحدته الجغرافية، بل هناك دعاة يدعون إلى تقسيم هذا الوطن لأنهم أبناؤه والآخرون عرب أجلاف موطنهم الصحراء من غير بترول يرعون الإبل ويصدرون العقارب لأن فيها دواء من سمها.
وهكذا في هذا البلد ينهب التاريخ وينهب الاقتصاد وتذبح اللغة ويشوه الدين، وتسمى أحياء ومؤسسات بل ومدن وشوارع عن أشخاص تركوا من خلفهم خلفا في جبهة التحرير ومنظمتها للمجاهدين بالذات، والتي لا تمثل إلا شريحة من المحظوظين وتلك الوزارة التابعة لها فيما يسمى بوزارة المجاهدين.
- كنا في أثناء الثورة التحريرية نسمع تهجمات هذا الطرف على ذاك متهما إياه بالخيانة، والجماهير تسمع لهذا وذاك، لأن الدعاية لاكتساب الجماهير السذج وتخويفها بسوء العاقبة كان مباحا.
لكن كيف يستمر هذا الكذب بعد الاستقلال بنصف قرن، وتبقى الحقائق مشوهة حتى في معاملة الأموات، هذا يبحثون له عن عظام قد تكون له يعيدون دفنها رسميا، والآخر قتل بسلاح الاستعمار المباشر أو بواسطة عملائه، تبقى عظامه تجرفها السيول لأنه لم يمت على دين جبهة التحرير، التي امتلكت مفاتيح الجنة والنار، لكنه الحقد الذي يملأ النفوس المريضة، فهم يخافون من براءة الأموات، لأن في ذلك إدانة لهم، هكذا يعتقدون.
- منذ عام ,1982 ونحن نكتب إلى كل السلطات السياسية والإدارية ومنظمة المجاهدين بالذات، نترجاهم فيها ليقولوا كلمة حق تزيل باطلا، ولا نسأل صفحا ولا عفوا، إنما نطلب إحقاق الحق ما دمنا نمتلك حق المواطنة، هذه المواطنة التي سحبت من أشخاص فلم يعد يسمح لهم بحق الانتخاب. لأنهم سموا الأشياء بأسمائها ولم يحفظوا رؤوسهم مذلة وجبنا – لكن كل الجهات صمّت آذانها وغطت عيونها، بالرغم أننا كنا نبرئ جبهة التحرير وندين المندسين في صفوفها أثناء الثورة، والذين هم مع الأسف من احتلوا المناصب الفاعلة في السلطة السياسية، وتبين للناس خلال هذا التجاهل أن هؤلاء خائفون من ظهور مصائب أكبر تمزق أوراقهم وتزيل الهالة التي أحاطوا بها أنفسهم.
- لماذا يخشون المواجهة؟ مواجهة الحقيقة، حاولت مقابلة شريف مساعديه في مقر الحزب زيروت يوسف طيلة اثنى عشر يوما، أملأ الاستمارة على الثامنة صباحا وانتظر حتى الخامسة مساءً دون أن أحظى بمقابلته لأنه يعرف ما جئته من أجله.
- واكتفيت وقتها بمقابلة السيد عبد الحميد مهري يوم 1982 11 22 بصفته مسؤول الإعلام والثقافة في الحزب، فأخبرني أن رسائلي التي أرسلتها لهم قد وصلتهم وأن المسؤولين في الحزب يعرفون القضية جدا.
وفي 1982 12 27 استقبلني السيد يوسف يعلاوي، أمين المجاهدين، وشرحت له المسألة وسألته إلى متى الصمت عن حل المشكلة.. وترك ألسنة وأقلام السوء تنهش عظام موتانا ولا يسمح لنا بحق الرد، فوعد بأنه سيعمل على حل المشكلة، ولم يفعل شيئا، وأقصى ما فعلوه أنهم تجاهلوا القضية في مؤتمر كتابة التاريخ للولاية الثالثة (56- 58) الذي انعقد بتيزي وزو في 07 – 08 فيفري ,1984 كل هذا التهرب وهذا التجاهل لحق المواطن في الكرامة، أن الجبهة جبهتهم والدولة دولتهم والجزائر مزرعتهم، فيوصم بني يلمان بالعار، المهم ألا توصم بعض الشخصيات التي اتخذوها رموزا بالخيانة والعالة للاستعمار أثناء الثورة والاستقلال.
يقول المؤرخ محمد حربي في جريدة ”الخبر” 27 ماي 1992 أن هناك أشياء لا يستطيع الناس مناقشتها بكل حرية، لأن هناك دائما ثقل الفاعلين الذين يلعبون دورا كبيرا في هذا (الطابو).
قيل أن الحادث قام به الفرنسيون وهذا الموقف دوفع عنه في الأمم المتحدة.
فمجزرة بني يلمان ليس كما كتب عنها، إنه قرار جبهة التحرير لكنها مبادرة محلية صاحبها محمدي السعيد وهو صاحب القرار.
- ولعل من أصاب كبد الحقيقة هو الناطق باسم جبهة التحرير في تونس (فرانس فانون) أن هذا الفعل ما هو إلا سيناريو لتصوير فيلم وعرضه على الأمم المتحدة لتشويه الجبهة.
- وقال مراسل الصحيفة التونسية الذي حضر مع الصحافة الغربية، أن فرنسا هي التي قامت بالعملية بواسطة الحركى.
- وقولنا نحن بني يلمان أن فرنسا كانت هي الرابح الأساسي من هذه العملية وبشاعتها المتمثلة في توفير صور حية لمدنيين ذبحوا وقطعوا وحرقوا، وتلك الصور استغلها مكتب (لصاص) في صور سينمائية كانت تعرض على الجدران ويجمع حولها الشعب في مختلف أنحاء الوطن حين ذاك، ليرى الشعب أن الثوار ما هم إلا مجموعة من العصابات التي تسفك دماء المواطنين العزل وأن القبائل يقتلون العرب.
- عرض الفيلم على الأمم المتحدة في دورتها (12) لأن القضية الجزائرية مدرجة للمناقشة في هذه الدورة، وقد حمل الرئيس الفرنسي نفسه الشريط ليعرضه على العالم.
- سقوط المنطقة الاستراتيجية بسلسلتها الجبلية من البيبان إلى ديرة وموقع بني يلمان وسط هذه السلسلة، قلت سقطت هذه المنطقة ذاتيا فمن لم يقم لهم الاستعمار مركز حماية انتقلوا هم إلى أقرب مركز فرنسي خوفا من الإرهاب والإرهاب المضاد.
- الانتقام الفرنسي من بني يلمان بعد سنة من المعركة على أرضهم في سهل يوخدى والتي قام بها مجاهدو حزب الشعب كما ذكرنا.
وانتقم من بني يلمان عندما سماهم ”ملوزة”. فبقينا مدة عشرين سنة بعد الاستقلال نبحث لاسترداد اسم الدوار أو البلدية.
-إعطاء الضوء الأخضر إلى بلونيس ليبرم اتفاقه مع فرنسا ومنحه قطعة أرض تمتد من ديرة إلى الجلفة جنوبا يرفرف عليها العلم الوطني وكأن هذا الشريط الضيق أرض مستقلة، ولهذا كلام آخر.
- كل هذه المزايا حققها الاستعمار بواسطة عملائه في جبهة التحرير للولاية الثالثة.
وهل ندعي أن الولاية الثالثة كلها عميلة وأن جنودها كلهم مرتزقة والدليل أن جنودا رفضوا القتل فقتلوا في المجزرة. ويحضرني يوما وأنا جندي في صفوف الولاية الثالثة بعد توقيف النار وفي حمى حرب الولايات، وقد كنا نقيم في ثكنة عين لحجل المهجورة من طرف القوات الفرنسية، أن خرجت الكتيبة في دورية سير على الأرجل، وبعد سير عدة كيلومترات توقفنا وجلسنا على الأرض، فكان إلى جانبي جندي نظر بعيدا في الأفق وتنهد، ثم قال لي أترى تلك الجبال الحمراء، قلت: أراها،
قال لي هناك صارت بندقيتي حمراء، قلت يبدو أن الاشتباك كان عنيفا مع القوات الفرنسية، قال: لا، ليس كذلك، قلت: إذن مع القوات المصالية، قال: لا، قلت صارت بندقيتك حمراء في قتل الشعب؟ قال: نعم، قلت: إنهم دواري وأهلي، فاصفر وجهه وراح يعتذر على ما فلت منه من قول، ثم استأنف الكلام بعد صمت، ها نحن جنود هنا وأعطيت لنا الأوامر أن اجمعوا سكان (السلامات) فجمعنا الشعب ونحن جنود لا علم لنا بالنوايا، ثم قيل لنا أطلقوا النار.. هل تطلق أم تموت؟
قلت له: لكن لا تفتخر بجريمة شاركت فيها وأنت مرغم.
فالإدانة لا تكون إلا لجنود كتبت لهم الحياة إلى الاستقلال، ولم يتبرأوا من جرم ارتكبوه وهم مرغمون. أما قصصهم في تحميل البريكي مسؤولية أكبر منه، فنحن بني يلمان أن نستبعد أن يكون لعبد القادر السحنوني أي دور أو وجود على الأقل في العملية، والدليل أن الدعاية الفرنسية كانت تحمّله المسؤولية، وتتجاهل الآخرين أو الفاعلين. كما أن التركيز عليه يهدف إلى توزيع دم بني يلمان على أطراف عديدة. كما هو اليوم يحاولون أن يجعلوا منها قضية بين العروش، كما أن السحنوني هذا لم يسمع به أحد قبل المجزرة، ثم إنه كما يقال ضابط برتبة ملازم، والقرار متخذ من قبل القيادة بإعدام الجميع…
- وإذا ألقينا نظرة على الولاية الثالثة، وهي ما يهمنا بالذات، لأنها الولاية التي تحمّلت المسؤولية في ارتكابها المجزرة، هي التي بقيت من خلال من ادعوا أنهم كانوا ضباطا فيها يواصلون بإصرار تشويه الحقائق وخلق العوائق، ومنعنا حتى من إعادة دفن عظام موتانا.
- فقد شرعت كل جهات الوطن في بعث الأموات والتسابق على تشييد المقابر، والله أعلم أي رفات أخرجوا وأي عظام جمعوا، المهم من يدفن أكثر، لأن منطقته قدمت ثمنا أوفر، فقلنا ونحن كذلك تستأهل رفات موتانا مكانا أفضل، فشرعنا في تهيئة الأرضية وبمجهودنا الخاص، لكن السلطة علمت بذلك، فهيأ السيد الوالي كتيبة من الدرك باللباس الميداني والأسلحة الرشاشة، محذرا ومنذرا من مغبة إخراج ممن نعتبرهم عند الله شهداء، وكان ذلك يوم الإثنين .1989 07 03
وقال بأنه رتب لنا لقاء مع وزير المجاهدين، والتقيناه في مقر الوزارة يوم 1989 07 10 فاستمع إلينا السيد الوزير محمد جرابة، وقال بأن رده سيكون كتابيا، وفعلا بعث لنا برسالة يقول في مضمونها: أن التاريخ سيصدر حكمه الموضوعي في جميع القضايا التي اعترضت مسيرة الثورة التحريرية، وينصف كل الأطراف، وذلك طبقا لمنطق التاريخ النزيه وطبقا لتعاليم ديننا الحنيف، فمن الحكمة الالتزام بالهدوء، وانتظار أن تتجلى الحقيقة، مع الإشارة إلى أن هذا الملف يحظى كغيره من ملفات الثورة التحريرية بكل اهتمام السلطات السياسية العليا في 11 جويلية .1989
06 20 فكتبنا عبارة (المجد والخلود لشهداء 28 ماي 1957) على واجهة الجبل بالصخور على عدة مئات من الأمتار طولا وطليناها بـ 14 قنطارا من الدهن، واستمر ذلك الشعار يقرأ على بعد أكثر من عشرة كيلومترات ولمدة سبع سنوات حتى جاء الأمر لرئيس البلدية بتهديم الكتابة.
فأي حصار هذا الذي يحاصر الأموات وأبناءهم وأحفادهم!!
فقد حضرت التلفزة عدة مرات خلال الثمانينات للتحقيق والتصوير لكن تلفزتنا لا ترضى إلا على من رضيت عليه منظمة المجاهدين، ووزارتها لأنها تخشى أن تفضح الرموز المقدسة.
فلِمَ الخشية من كلمة يقولها التاريخ، ولِمَ لا تكون العملية الجراحية أجدى وأنفع من جرح يتورم ويتعفن تحت غشاء شفاف، ويتصارح الآباء خير من أن يتركوا للأبناء إرثا من المآسي التي تتوارثها الأجيال، فماذا بعد نصف قرن من نهاية الثورة؟ أم تبقى نظرتنا إلى الثورة على أنها كانت حربا فيها منتصر وفيها مهزوم؟ بغض النظر عن النتائج التي حققها المنتصر، أو فشل في تحقيقها المهزوم؟ لقد كان من المنطقي أن يكون المنتصر واحدا وهو الشعب، والمهزوم هو الاستعمار بمشروعه التمسيخي والتسليخي، فإذا كان الاستعمار البشري قد خرج وبقي مشروعه مستمرا وبأيد تدعي الثورية وعشق الحرية وتعميم الديمقراطية، فذلك ما سمعنا به ولم نره أو نلمسه في الواقع.
فحين اندلاع الثورة في أول نوفمبر كما هو معلوم، فإن الثورة لم تأت هكذا من فراغ، ولم ينزل مطرا من غير سحاب فالثورة كانت مهيأة ومحضرة، وخاصة في الأماكن التي لها وضع جغرافي بالتضاريس المحصنة والصالحة لحرب العصابات، كالقبائل والأوراس، فإن الاستعمار كان سباقا إليها خاصة بلاد القبائل التي كان قد هيأ فيها أرضية صالحة لزرع بذور هي في الواقع ألغام ومتفجرات تتمثل في عملائه وصنيعته ليسبق بثورة مقنعة تخدم أهدافه، وتحقق له ما لا يمكن تحقيقه بصورة سافرة.
فكان الحاكم العام (جاك سوستال) أن اتصل بعملائه ليحضروا أنفسكم، وجندوا المرتزقة الموثوق في إخلاصهم وحبهم للمهنة، فسارعوا إلى تجنيد الشباب الذين رأوا فيهم ما يخدم الغرض ويحقق الغاية، فاختاروا من كل قبيلة وعرش مجموعة فسلحوهم تسليحا جيدا يليق بحرب العصابات ودربهم على ذلك في ثكنات فرنسية خاصة حتى تبقى الأمور تسير في سرية ثم ألبسوهم لباس الثوار وشعار جيش التحرير وألقوا بهم في الجبال، وكانت هذه الفرق تحت قيادة عزورن محند، لكن هذه العملية تحتاج إلى غطاء سياسي وطني، فوجدوا في كريم بلقاسم خير غطاء، وهو الذي كان متمردا منذ سنوات قبل اندلاع الثورة في تهمة جنائية وعملية قتل، وفي هذه الفترة من هروبه انضم إلى حزب الشعب، وبذلك صار تمرده بطولة أمام الجماهير وخاصة أنه تحت مظلة سياسية وطنية عريضة، بل صار لا يضاهيه أحد على مستوى بلاد القبائل، وهو يعرف المناضلين والناشطين الوطنيين، اذن لقد صار للزرق قائد أو زعيم، بل كان منزله مركزا للقيادة والاتصال، بحيث يقيم فيه زيدان ومحمد ونيش، وفيه يتلقيان السلاح والمال الذي يحمله الضابط الفرنسي لمنطقة تيزي وزو نفسه على متن سيارة (203)، ومن الجانب العسكري وجدوا في محمدي السعيد الرجل المناسب، وهو النازي المتمرس، لكنه في سجن (لمبيز) حيث اعتقلته القوات الفرنسية بعد هزيمة النازية، وكانت للنازية شعبية بين المواطنين لا تقل عن الوطنية لا لسبب، إلا لأنها عفرت جبين فرنسا في التراب عندما احتلت أرضها وقهرت جيشها فدخل الوسطاء لإطلاق سراحه وإلحاقه بالفريق لتنظيم العصفور الأزرق وصار فيه قائدا مرموقا لا يقل عن كريم بلقاسم.
وعند ذهاب سوستال في نهاية 1955 وقد ترك جيشا من تنظيم العصفور الأزرق قوامه (600 رجل)، وخلفه روبار لاكسوت، فراح ينمي هذا الجيش الأزرق الذي لا يقيم في الثكنات فيعرفه المواطنون لكنه جيش من الثوار في ظاهره، يثق به المواطنون، ويرونه المخلص لهم من الاستعمار، وقد وصل تعداد هذا الجيش إلى 1500 رجل، عندما انعقد مؤتمر الصومام كان كريم بلقاسم يعطي الأوامر إلى الكتائب والفصائل المنتشرة على أرض القبائل للإكثار من إطلاق النار أثناء الليل في عمليات هجومية وهمية ومناورات مدروسة ترد عليها القوات الفرنسية من مركزها بقصف عشوائي، والناس في قراهم وبيوتهم يظنون أن المجاهدين يهاجمون المراكز الفرنسية، فيكتسبون حب الناس لهم، هذا بالنسبة لاكتساب ثقة الشعب، أما الثقة من الجانب الفرنسي فلابد من تقديم الأدلة التي تثبت أنهم في المستوى، فقد كانوا بالفعل يلتقطون المصاليين ويقدمونهم جثثا إلى الضابط الفرنسي، ويأتون كذلك بجنود من خارج المنطقة يلبسونهم لباس جيش التحرير ببندقية صديئة بعد إعدامهم، ويقبضون على كل رأس يقدم مبلغا قد يصل (200 ألف فرنك).
ثم إن هذا الجيش الذي وصل تعداده إلى 1500مسلح، فقد كان موجودا عند انعقاد مؤتمر الصومام الذي أصدر أمره إلى هذه الكتائب للالتحاق بكتائب جيش التحرير وأعطى لهم الضوء الأخضر في 10 سبتمبر .1956
وكانت الغنيمة التي أخذت من القوات الفرنسية 850 قطعة سلاح و84 مليون فرنك، هذا ما أورده بعض الكتاب من الجهة مادحين هذا التنظيم وعبقرية قادته، إذ حولوا هذا الجيش (الحركى) المستترة إلى ثوار، بقدرة هؤلاء الكتاب البارعين، وقد أتيت هناك بملخص لمضمون هذه المقالات التي ذهب أصحابها إلى الاستخفاف بعقول الناس واستغبائهم، ولو أضافوا إلى هذا السيناريو لقطة تحفظ شيئا من ماء الوجه لقالوا أعطيت الأوامر إلى هذه الفرق لمهاجمة الفرنسيين في الثكنات والمدن، فقتل من قتل من الفرنسيين وأسر من أسر، وغنمت أسلحة وذخائر، وهنا تقول أن العملية كانت بطولية وانطلت الحيلة على قادة لاكوست.
حاولت بجدية أن أقنع نفسي بتصديق هذا القول وحاولت فك رموز هذه المعادلة رغم بساطتها وأن اقتنع بهذا الطرح الذي يقول أثبت الثوار المرتزقة عبقريتهم وضحكوا على فرنسا لأنهم حولوا جيش التحرير إلى جيش التحرير وأنهم حولوا ظاهرهم إلى مظاهر وباطنهم إلى ظاهر، وببساطة هؤلاء المجندين وعددهم 1500 رجل كان ظاهرهم أي يبدون إلى عامة الشعب أنهم مجاهدون والشعب يصدقهم لأنهم يشنون الهجمات الوهمية وهؤلاء الجنود يعلمون مهمتهم جيدا، ثم يؤمرون بالتمرد والالتحاق بالجبال وهم أصلا متواجدون في الجبال وعلى هذا هم يعرفون من سلّحهم ومن درّبهم، ومن يعطي لهم أجرتهم الشهرية، وهم من يقومون بتقديم رؤوس المصاليين إلى الضابط الفرنسي وقبض العلاوات، وهم الذين يتسببون في تدمير المداشر التي أبدت حفاوة بهم والناس يعتقدون أنهم جيش التحرير لتأتي القوات الفرنسية فتدمر القرى وهم الذين يلفقون التهم إلى كل من أبدى إخلاصه لهم ظنا أنهم مجاهدون فيذبحونه، هم الذين كانوا يجندون في صفوفهم شبابا وطنيا أعلن رغبته في الجهاد فيقتلونه ويقبضون ثمنا لرأسه خاصة إذا كان مجهول الهوية، أي جندوه من خارج المنطقة، أليس هؤلاء الجنود يعلمون ما يفعلون ومهمتهم واضحة لا لبس فيها، فكيف يؤمرون أن يلتحقوا بالثوار وهم الثوار أنفسهم، وفي ليلة التحاقهم يدعون إلى حفل تكريم باللحم المشوي في الهواء الطلق، ويتوزعون فرقا صغيرة على المداشر والقرى وبعد القضاء على المناضلين الوطنيين في بلاد القبائل، وانعقاد مؤتمر الصومام لقيادة الولاية الثالثة ومن يمثل الرابعة تحت حراسة هذه البنادق ولا يمكن أن يكون هذا المؤتمر وطنيا إنما هو مؤتمر للزرق.
إذن بعد العشاء الأخير بالمشوي الذي أقامه الضابط الفرنسي ومؤتمر الزرق في الصومام على وشك الانعقاد، ونهاية الحركة الوطنية في بلاد القبائل، لم يبق لهذه الفرق إلا أن تحمل اسما جديدا يسمى الجيش الأزرق، هذا الأزرق الذي حقق للاكوست ولفرنسا ما لم تكن تحلم به، آن لهذا الجيش أن يتوسع جنوبا وغربا، حيث ذهب رجال الحركة الوطنية يقارعون الجيش الفرنسي، فلم يبق غير بلونيس في نقاط من جبال الأطلس الشمالي من البيبان إلى ديرة، وهذا صار ضعيفا تسهل إزالته، لكن جبال الأطلس الجنوبي كان يسكن عرينها أسد هو القائد زيان عشور الذي كان يلحق الخسائر الفادحة بالقوات الفرنسية، حتى استشهد، لكنه ترك من خلفه قادة لجنوده المقدرين بأكثر من ألف رجل، وكان كل قائد يتصرف ببعض الاستقلالية، وعندما أبرم بلونيس اتفاقه مع فرنسا في جويلية 1957 ومنحت له قطع أرض – كما سبق القول – تمتد من جبال ديرة إلى لغواط والجلفة جنوبا، ورفرف العلم الوطني على مراكزه، تهافت المتطوعون السذج ظنا منهم أن الجزائر على وشك الاستقلال، وأن هذه البداية، فوزع السلاح على الشباب المتطوع في مركز قيادة بدار الشيوخ أو حوش النعاس حيث أقام بلونيس فيه، ومن ثمة حاول جمع شتات جنود زيان المقسمين إلى ثلاث مجموعات لكل مجموعة قائد، فحاول بلونيس إقناعهم بالانضمام إليه فقبلوا على شرط أن يأخذ ما يمكن أخذه من السلاح من القوات الفرنسية وخزنها في الجبال وألا تدوم هذه الهدنة أكثر من سنة ثم يعاد التمرد على فرنسا فودعهم بذلك، استمر كل في موقعه، والذخيرة التي يتسلمها من فرنسا حسب الاتفاق يخزن جزء منها في الجبال، كما يقضي الاتفاق مع الطرف الآخر.
لكن فرنسا كانت قد وضعت من أقرب مقربيه جواسيس عليه ومنحتهم رتبا سرية، فرجله الأول العربي كان برتبة رائد، وعبد القادر برتبة نقيب وامحمد برتبة ملازم، وعند حلول الموعد كلف عبد القادر لطرش بمراجعة بلونيس، فيما اتفق عليه لمدة سنة، وهاهي السنة قد انتهت، قبل لطرش بمراجعة بلونيس وكان ذلك بعد الغروب لكنه أوصى زملاءه أنه إذا لم يخرج ويعود قبل منتصف الليل، فإن في الأمر خيانة، وفعلا دخل على بلونيس وهو في حالة عصبية متوترة وراح يرفع صوته على بلونس الذي كان يشير إليه أن أخفض صوتك، وكان بلونيس قد اكتشف للتو الخيانة تحيط به من أقرب الناس منه ولكنه لم يجمع خيوط المؤامرة، ولكن لطرش الذي رأى أن بلونيس قد خدعهم، خرج من عنده غاضبا فاختطفه الجواسيس الثلاثة وحملوه في سيارة دون أن يشاهدهم أحد، وقد أحاطوا أنفسهم بجنود في خدمتهم بصفتهم أعضاء القيادة، ذهبوا بعبد القادر لطرش إلى نواحي بوسعادة وقطعوه إربا وهو حي، وعند عودتهم كان قد بلغ الوقت منتصف الليل، وهنا فلت الأمر وبدأ إطلاق الرصاص وانقسم الجيش إلى شمال وجنوب، وانطلق الرصاص عشوائيا من غير هدف معين، فحاول بلونيس التحكم في الوضع لكن فلت الأمر بعد أن علم أن لطرش قد اختطف من طرف أعوانه، فحاول الالتحاق بالمتمردين الذين عادوا إلى الجبال لكنه لم يلحق، فقد جندت فرنسا اعتى قوة قدمت من كل الجهات وأعدت عشرات الآلاف من العساكر وعشرات الطائرات بمختلف أنواعها واستمرت المعارك أياما دفعت فيها القوات الفرنسية ثمنا باهظا وقتل بلونيس في هذه المعارك التي حاول فيها الجيش الفرنسي إعادة أسلحته، وانتهت هنا قصة بلونيس، هذا ما ردده العائدون من الميدان ممن قبض عليهم أسرى وجرحى، وسلم الثلاثة أنفسهم إلى القوات الفرنسية في جهات مختلفة، وهؤلاء عرفتهم شخصيا عندما كانوا مجاهدين ورأيتهم وهم بالرتب الفرنسية عندما استسلموا، وتحضرني هنا قصة يراها المنطقيون دروشة وخيالا وتهيؤات، لكن الذي رأيت لا أنساه، فعندما عزم امحمد (الملازم) على الاستسلام أمر جنوده بالخلود إلى الراحة والنوم وأوحى إلى شخص أن اذهب وأخبر المركز الفرنسي بوجودنا، وفعلا حضرت القوات الفرنسية وحاصرت المكان المتواجدين فيه، وعندما أراد الجنود الدفاع أقنعهم أن لا فائدة من المقاومة وأن الاستسلام أفضل من الموت.
فرفعوا أيديهم مستسلمين غير أن واحدا منهم حمل مدفعه الرشاش وربض بين صخرتين وراح يطلق النار على الجنود الفرنسيين والحركى المرافقين واستمر يطلق الرصاص وهم يردون عليه حتى نفدت ذخيرته فقتل، فجاءوا به على ظهر دبابة ذات العجلات وجاءوا بالمستسلمين في شاحنة من نوع زامشي مغطاة.
وقفت القافلة قرب المشتى الذي أسكن فيه وهرع الأطفال والشباب لرؤية ما يشاهدون رجلا مطروحا على دبابة، فصعدت قليلا واقتربت من ذاك الشهيد، رأيت ثغرا مبتسما ابتسامة طفل بريء، رغم بعض السمرة على وجهه، فلا صفرة ولا سواد يعلو وجهه.. تشعر أن نورا ينبعث من وجهه، شفتاه ورديتان، اقتربت منه أكثر لأتأكد إن كان ميتا حقا، فإذا برائحة عطر شممتها منه، لم أشم لها مثيلا في دور العطور بباريس أو في الحقول والمراعي البرية، لم استطع التعبير عن ذلك مدة خمسين سنة من شمها.. كان يرافق الجثمان أحد الرجال الحركى يعلوه الأصفر ويرتعد خوفا، وغبار الطريق يكسوه، ولم أشاهد أي غبار على جثمان الشهيد وترى بطنه تكاد تلتصق بظهره فلم ينتفخ منه شيء.
ونظرت إلى الشاحنة التي تحمل المستسلمين فإذا بهم لا تكاد ترى وجوههم من الغبار الذي كساهم ووجوههم حالكة وعيونهم ذليلة.
لم أطلب من أحد التصديق أو التكذيب إنما هي الصورة التي أراها حقيقة فهي ليست خيالا ولا وهما.
أما هؤلاء الضباط الثلاثة الذين سلموا أنفسهم رفقة جنودهم في أماكن مختلفة، فلم تمض سنة حتى قتلوا على يد الفرنسيين بعد تجريدهم من الرتب التي ظهروا بها في الأيام الأولى وبعد إذلال وإهانة لم تنس لهم فرنسا تمردهم عليها يوما، وخيانتهم وغدرهم بأبناء جلدتهم أخيرا.
ونعود إلى الذين عادوا إلى الجبال والتحقت بهم كتائب أخرى من المتطوعين والذين جندوا في فترة الهدنة، فقد واصل أكثرهم الجهاد، وألحقوا بالقوات الفرنسية الخسائر التي لم تتكبدها من قبل في السنوات السابقة، وهذه حقيقة لا غبار عليها حتى جاء الاستقلال فنزلوا من الجبال محتفلين مبتهجين مسلمين أسلحتهم إلى من ظنوا أنهم إخوانهم في الجهاد، لكن الزرق العائدين من راء الحدود، أجهزوا عليهم وأعدموهم بعد أن عجزت فرنسا عن ذلك.
لم أكن أرغب في التطرق إلى مثل هذه الأشياء دون قضية بني يلمان التي لا تقبل النقاش أو المعارضة في أي جزء منها، وما أخفي منها يعود إلى من هو صاحب القرار الحقيقي، أهي المخابرات الفرنسية التي أمرت بالقتل الجماعي؟ ولو أنه كما هو معلوم ومتفق عليه أن قرار القتل الجماعي كان مقررا من قبل.. لكن لِمَ دام الحجز طوال النهار؟ والقوات الفرنسية التي حضرت وهي رابضة عن قرب؟ فلا ندري من صاحب القرار الأخير. والذي دفعني إلى الحديث عن بلونيس وحركته ونهايته لم تكن غاية مما أنا فيه، بل توضيحا وتصحيحا لما وقع فيه مدعو الجهاد وما أوحوا به إلى بعض الكبار ممن لا يحسنون غير المديح للأقوياء وكيل الذم والتشويه للضعفاء المستضعفين، فلم نجد طوال نصف قرن مسؤولا، أو من ادعى الجهاد أو كاتبا قال كلمة حق وقال هاهم الظلمة وهاهم المظلومين، فعندما لا يجد هؤلاء ما يدينون به بني يلمان ربطوهم ونسبوهم للحركة الوطنية من غير أن يدعوا أنهم مسلحون في صفوفها، لأن هذا ينفي حدوث المجزرة ويصير معركة، لكنهم يرون أن بني يلمان وجب ذبحهم لأنهم متعاطفون مع حزب الشعب، ومتى وجبت العقوبة على النوايا؟
ومن هذا المنطلق نعود إلى الزرق وانتهائهم من المرحلة الأولى وقضائهم على كل عنصر وطني أو جهادي إلا قلة ثابتة، فبعدما أسموه بمؤتمر الصومام الذي هو لمجموعة معينة آن لها أن تقيم المرحلة الأولى وما تحقق فيها من إنجازات وإعطاء الضوء الأخضر إلى المرحلة الثانية في اتجاه الجنوب إلى أبواب الصحراء وإلى الولاية الرابعة غربا ومنها العاصمة، فكان أن تحول العصفور الأزرق إلى جيش أزرق أكثر فتكا وأخطر شرا من قبل أن ينتقل رواده وقادته إلى الخارج، ويصبح لهم شأن آخر في انتظار الترتيبات الاستراتيجية النهائية، وهي فصل الشمال عن الجنوب، واستمر الوضع في التدهور وأزيل من الميدان قادة أبطال وجند بواسل على مستوى الولاية الرابعة أضيفت إليها العاصمة، فقد انتهت الثورة في هذه الولايات الشمالية الحيوية قبل نهاية .1958
لكن كان لعميروش فعل جاء متأخرا بعض الشيء وهو يرى الثورة تحتضر في انتظار الوفاة، قرر عميروش استدعاء الكتائب في الولاية الثالثة إلى مركز القيادة بغابة أكفادوا المنيعة، وكان على الزرق أن يحضروا وأكثرهم رؤساء وحدات لما يتمتعون به من تعليم فرنسي وقد احتلوا المراكز التي منحت لهم نظرا لدورهم الفعال في خدمة أهداف القادة الكبار.
يقول السيد عبد العزيز واعلي في مجلة أول نوفمبر العدد ,15 ويوصف هذا أنه شاهد من أهلها، وإذا كنت أصدق جزءا كبيرا من شهادته هنا، فلأنه حضر وشاهد وتعامل مع الوضع، ولا أصدق كلمة واحدة مما قاله في بني يلمان لأنه كان يجهل كل شيء جغرافيا وبشريا مع سوء النية وانعدام المنطق في التحليل.
يقول واعلي: انخرط الكثير من الشباب المتفرنسين في صفوف الولاية الثالثة كجماعات وليسوا كأفراد وهم ينتمون إلى الأسر الأرستقراطية المعروفة بتعاونها مع فرنسا، وارتقى الكثير منهم إلى رتب سامية، وكانوا يضعون على رقابهم مناديل حمراء وسلاسل ذهبية.
وباتت خيوط المؤامرة تكتشف عندما تم القبض على فتاة تسمى (روز) وهي مقربة من الكبتان الفرنسي – ليجي- وعندما تم القبض عليها واستنطاقها، أباحت بكل شيء، لقد كان هؤلاء الزرق بطبيعة تكوينهم الثقافي والاجتماعي وما صاروا عليه من رتب تخولهم التحكم في الرقاب فقد كان أكثرهم رؤساء نواحي ومناطق وهم يكرهون كل معرب وكل متدين، ويسخرون منهم، ويسمونهم – على سبيل الاستخفاف – ”يا أيها الذين آمنوا”، وخاصة استخفافهم بالجنود الذين سبقوهم إلى الميدان فكانوا محل استهزاء وعبث، وبما أن الزرق رؤساء والجنود المجاهدين مرؤوسين قد كانوا يدفعونهم إلى أماكن انتحارية حتى يتخلصوا منهم، ومن خلال هذا الاضطهاد والظلم للمجاهدين الحقيقيين، يتسببون في استسلام المخلصين إلى الاستعمار، فإذا ما استسلم أحد جراء ضغطهم، قبضوا عليه علاوة تقدر بـ200 ألف فرنك، وهكذا نجد أن عميروش عندما استلم الولاية الثالثة استلم لغما على جثة الولاية الثالثة، لقد رحل زعماء وقادة هذه الولاية إلى تونس بعد أن لغموها بالزرق.
أما محاكمة الزرق والتأكد من خياناتهم فقد كان لا يوجه الاتهام إلى متهم حتى يشهد عليه ثلاثة متفرقين، كي يسلم إلى مركز التعذيب ليلاحظ عليه صدقه أو كذبه، ومن جملة 3000 شخص مستنطق تمت تبرئة 910 شخص لم تثبت إدانتهم، أما بقية الزرق الذين توجسوا خيفة من حضور المؤتمر، فقد استسلموا إلى القوات الفرنسية التي جندتهم أصلا، وبقوا لسنوات من الثورة يعيثون في الأرض فسادا، حتى تولى عميروش قيادة هذه الولاية، وما قاله السيد واعلي في طرحه الموسع لم يتطرق إلى حلقات مفقودة، هل الزرق الجدد جندوا حديثا واحتلوا تلك المراتب والمسؤوليات؟ أم سبق أن كانوا جنودا من جنود العصفور الأزرق؟
وكيف تولى عميروش مسؤولية الولاية الثالثة وما مصدر قوته التي ساعدته في عملية التطهير الواسعة؟ هل سلمته القيادة السابقة زمام المسؤولية قبل رحيلها إلى تونس، واستكمالها المشروع الأول؟ هذه العناصر التي تجنبها السيد واعلي في طرحه هي الأخطر في هذا الطرح.
والأستاذ هنا شاهد ومشارك في الولاية الثالثة، وقد استجاب للدعوى أو الأمر بالحضور إلى أكفادوا، فلِمَ فكر في الانتحار؟ وقد خاف من عذاب الله، وفكر في الاستسلام، وقد خاف أن يترك لأبنائه وأحفاده عار الخيانة، ولكنه توكل على الله وحضر وشاهد ونجا لأن نيته كانت سليمة – حسب قوله -.
فكيف نراه في طرحه قضية بني يلمان، يتحيز هكذا من غير أن يستند إلى أي دليل يصدقه الواقع والمنطق، ويلحق بأموات بني يلمان وأبنائهم عارا خاف أن يلحق أبناءه؟
أما نحن بني يلمان فلا نرى فرقا بين القاتل والكاتب المزور، والذي يعرف الحقيقة ويصمت كلهم شركاء في الجريمة بدرجات.
ويقول واعلي أنه وأثناء كتابته عن قضية بني يلمان، وقد دخل عليه زميل له فتصفح تلك الوريقات، ثم قال له: أرأيت لو كشف بني يلمان عن المتعاونين مع بلونيس لتجنبوا الكارثة والقتل الجماعي؟
وما ضر قادة جيش التحرير لو تريثوا قليلا لكان خيرا للجميع.
وما ضر السلطات المعنية حاليا، لو يعمدون إلى قائمة ضحايا بني يلمان في تلك العملية فيشطبون منها أسماء الخونة المتعاملين مع بلونيس وسلطات العدو، أما الباقي ممن لم يثبت عنهم أنهم عادوا الثورة فيعتبرونهم شهداء، شأنهم في ذلك شأن ضحايا (منظمة الزرق) فقلت له أن فكرتك لعلى جانب كبير من الأهمية..
نعم هذا قول الرجل المتعلم (المجاهد) يرى في قتلى بني يلمان الأطهر شهداء على أرض الجزائر، يقترح أن يقوم الزرق الأحياء بغربلة بني يلمان الشهداء لإخراج المخلصين منهم، وضمهم إلى قائمة (شهداء الزرق) في وزارة المجاهدين، ويوضع الباقي في قائمة الخونة.
ونقول للسيد واعلي: فلتكونوا وحدكم في هذه القائمة وضمنها أمواتكم وأحياؤكم في الدنيا والآخرة.
ومهما حاول الزرق ممن كتبت لهم النجاة من أكفادو والملطخة أيديهم بدماء بني يلمان، ونافثي السموم من ألسنتهم وأقلامهم أن يلحقوا العار ببني يلمان ليبقوا على الصورة التي صنعوها لأنفسهم فلن يستطيعوا، لأن الله لا يهمل ولا يضيع دم المظلومين، وحقوق المستضعفين، وسنبقى نناضل ونناضل ولو لأجيال حتى يظهر الحق ويزول الباطل.
عمران جعجاع
الجزء الخامس والأخير
http://elkhabar-hebdo.com/site/news-...how-id-558.htm
بعد 52 سنة من الحادثة.. ”الخبر” بمرتفعات بني يلمان
10 آلاف يلماني يطالبون بوتفليقة بالكشف عن الحقيقة
يصعدون كل عام يترحّمون على آبائهم ويفكّرون في الانتحار الجماعي من على قمة جبل خراط..
دعا عشرات المواطنين من بلدية بني يلمان، بمدينة القصبة التي حدثت بها مجزرة بني يلمان، الشهيرة في كتب التاريخ بأحداث ملوزة ذات 28 ماي 1957، رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة للعمل على كشف حقيقة ما جرى من أحداث، وإنصاف المنطقة مما لحق بها، وذلك عبر وقفة ترحّم أقامها هؤلاء بمناسبة مرور 52 عاما على المجزرة التي راح ضحيتها 375 من الأبرياء، مازالوا مدفونين في قبور جماعية.
الطريق إلى مدينة القصبة القديمة، الواقعة على بعد خمسة كيلومترات من بلدية بني يلمان، يوحي لك لأول وهلة بأنك بصدد التوغل في عمق تاريخ ومنطقة أخرى لا تحمل شيئا من لباس العصر. كلما تقدمت خطوة إلى الأمام، تحس بشيء في نفسك يحرّضك على المزيد من الخطوات والمزيد من الارتفاع إلى مستوى جبل خراط المتاخم للمدينة القديمة (ارتفاع 1800 متر)، والذي يمكن أن تراه من مدينة المسيلة. يقف شامخا وكأنه يحرس تاريخ موقع الحادثة الدرامية ويضم قبورها الجماعية التي ظلت قائمة إلى اليوم برفق وحنان. وكلما انجرفت إلى الأمام تحس بملامح حزن طاغٍ يعصر قلبك ويعطي لك الانطباع بأنك بصدد ولوج مملكة الأموات.
سرنا كيلومترين أو أكثر بقليل، لنجد أنفسنا في مواجهة قبور حديثة الحفر وأصحابها حديثو العهد بدار الآخرة. قيل لنا بأن هؤلاء ماتوا بغصة التاريخ الظالم، وأوصوا بدفنهم بالقرب من رائحة الآباء والأجداد، قبل أن نفيق مما وقفنا عليه من عبق الموت ورائحته العائمة في كل مكان.
نبهنا أحد الصاعدين معنا إلى موقع المجزرة بقرب الوصول إلى مدخل القصبة، الحشائش البرية وسمت الطبيعة العذراء، وتعانق السهل بالجبل والماء بالخضرة، والجدران الصخرية المحيطة بالمكان كأنها القلعة.. اجتمعت كلها لتعطي للمكان بعضا من السحر، لولا كثرة التنبيهات التي سرعان ما تصل أسماعك كل مرة تخطو فيها إلى الأمام، بأنك تقف فوق قبر أو تضع رجلك على عظام موتى عمّروا المكان، كأنهم في متحف للعرض في فضاء مفتوح.
لازال سكان بني يلمان يصرون على الصعود إلى القصبة كل عام، يأخذون معهم أبناءهم من مختلف الأعمار حتى أولئك الذين لم تتعد أعمارهم سنوات قليلة، ليس للنزهة وإنما ليفطموهم، كما قال أحدهم، على معرفة خلفيات التاريخ وعدم نسيان ذكرى الأجداد، الذين قضوا ذات يوم ذبحا داخل المسجد الجامع الذي مازال شامخا إلى اليوم وسط أطلال البيوت، يقابله من هناك مسجد الصديق، البقية الباقية من آثار تعود، حسب رواية علي جعجاع، رئيس البلدية السابق والعضو الحالي، عملية بنائه إلى القرن الرابع الهجري، لتحكي تفاصيل مأساة إنسانية قلما ينساب إلى مخيلة من يزور المنطقة لأول مرة أنها حدثت منذ خمسة عقود خلت.
كل الشواهد توحي بأنها حدثت بالأمس فقط، قبور جماعية في كل مكان، وأخرى عمرت أرض المسجد الجامع. هنا كان التحضير للاشتراك في ثورة المقراني. ومن هنا كانت أول معركة سقط فيها ستة شهداء نقلتهم فرنسا وألقت بهم في المكان المسمى ساحة الشهداء اليوم بمدينة المسيلة، قصد إلقاء الرعب وسط السكان وتنبيههم لمصيرهم المحتوم لو سوّلت لهم أنفسهم حمل السلاح ضدها. قبل أن يتم نقلهم بعد الاستقلال وتدفن رفاتهم في إحدى المقابر التي أطلق عليها اسم مقبرة الغرباء.
أمتار فقط من المكان الأول الذي غيّرت ملامحه ذات يوم من إطلالة سنوات الثمانينيات جرافات البلدية، بغية تصوير فيلم ”الصورة الأخيرة” لمحمد لخضر حمينة. كنا بمجرد أن نسترسل في أطراف الحديث مع أحد، يجذبنا آخر ليحيلنا إلى مكان آخر ويدخلنا في جانب من مأساة أخرى، قبل أن ينادى علينا بأن وقت الوقفة وقراءة الفاتحة وقراءة النداء قد حان.
هنا لا يحضر أي طرف رسمي، وعادة ما يتم كل ذلك تحت عيون أمنية تبقى من بعيد لتشتم رائحة أي غريب عن المنطقة. جعجاع عمران، معلم متقاعد، وأحد الذين أسالوا الكثير من الحبر حول تاريخ الواقعة وأهدافها والنتائج التي جنتها فرنسا منها. لقد تمت بتخطيط من هذه الأخيرة وبتنفيذ أيادٍ من الداخل. كل شيء كان محضرا من قبل فرنسا الاستعمارية. الصحافة الفرنسية والأمريكية التي نقلت عبر الهيلكوبتر من سطيف لتصوير المجزرة، ليس لشيء إلا لأخذ الأشرطة كحجة للتشويش على قضية الجزائر وإفشال مصداقيتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإظهار للعالم أن في الجزائر حربا أهلية لا دخل لفرنسا فيها.
البكاء والدموع كانت قد عمت المكان، عندما قرأ السيد عمران الفاتحة وانهمك في دعاء طويل. وقال: ”همنا اليوم ليس الطعن في أي كان، نطالب فقط بالاعتراف بأن آباءنا ماتوا شهداء. هدفنا الحقيقة كي نخرج لإعادة دفن موتانا، لا نعترف بأي شيء سوى أن آباءنا كانوا أبرياء. لقد جمعوا في مكان واحد. انصاعوا طواعية لنداء الثورة، وقيل لهم إن قائدا مهما سوف يلقي خطابا عليهم.. جمعوا القليل من مالهم ظنا منهم أنهم سوف يتبرعون في سبيل الجهاد. قبل أن يساقوا إلى الذبح بالجامع وتنزع ملابسهم ودراهمهم، وتفعل فيهم الخناجر فعلتها. في مجزرة كانت فرنسا قريبة منها وشاهدة عليها وتحت أعين كاميرات مصوريها. وإذا كان من وشاية لحقت حينذاك بأن آباءنا كانوا مصاليين، فقد اعترف بوتفليقة بمصالي الحاج وأعاد له الاعتبار بعد تغييب طويل. فلماذا يكال التاريخ بمكيالين؟”.
الشيخ خضرة محمد أحد الناجين من المجزرة، يحكي تفاصيل ما رأت عيناه، بهذه العبارات: ”لقد رأيت مشاهد تقشعر لها الأبدان، وتذهب من شدة روعها العقول؛ أطفال لم تصل بهم مدارك الوعي بعد لمعنى الثورة ذبحوا، شيوخ في أرذل العمر، معوقون ومجانين لم يجدوا صبيحة المجزرة من يدفن أجسادهم سوى ما تبقى في القرية من نساء وعجائز، لم يقدرن على النبش في التراب، فاخترن تراب المزبلة الهش لستر الجثث. كل شيء ما زال كأنه حدث بالأمس فقط”. عبد القادر، معلم من جيل الاستقلال، يروي تفاصيل المقايضة التي تمت بين السكان ووالي الولاية في سنة 1996، عندما طلب منهم محو الشعار المكتوب على الجبل المقابل لواقعة المجزرة والذي كان يحج إليه هؤلاء كل عام، الشعار يحمل كلمات (المجد والخلود للشهداء الأبرار، ذكرى 28 جانفي 1958) مقابل أن يسمح لهم عبر وزارة المجاهدين ببناء معلم تاريخي يدفن فيه رفاة آبائهم. ”بني المعلم ومحونا الشعار، واعترفت وزارة المجاهدين حينها بـ27 من هؤلاء وضعتهم في عداد الشهداء. ثم خرّب المعلم، ولم يأت أحد ليدشنه، تنصل الكل من الوقوف في لحظة اعتراف”.
أيعقل أن يعترف بجزء، ويهمّش الجزء الآخر؟ سؤال اشترك فيه عبد القادر والشاب زريق مصطفى الذي جاء يحمل ابنه ذا الأربع سنوات، والذي قال: عشنا إفرازات الجرح وسوف ننقله لأبنائنا جيلا بعد جيل. اعترف بنا الكل.. زارنا العديد من المؤرخين وقادة الثورة بالأمس. بورقعة قال لنا: أهل بني يلمان ناس مجاهدين. قمنا بإنشاء جمعية تاريخية للحفاظ على ذاكرة القصبة، لم يعترف بها.. نحن مشوّهون في كل مكان، ينعتوننا بأبناء الحركي أينما حللنا. لم يبق لنا إلا جبل خراط، لقد فكرنا جميعا بالانتحار الجماعي من على قمته.. ”وسوف نفعلها هذه المرة” يقول عبد القادر وشباب آخرون. ويضيف هؤلاء: ”لقد وجهنا النداء أكثر من مرة لبوتفليقة. الكل يعلم بأن ضحايا المجزرة أبرياء والشواهد موجودة. نطالب فرنسا بالاعتراف بجرائمها. ولا نتصالح مع تاريخنا نحن، قد نفعلها قريبا في حالة ما إذا ظلت لعنة الحفرة تلاحقنا. قد ننتحر يوما جماعيا ونموت على سفح جبل خراط القريب من قبور آبائنا التي مازالت تطلب العودة إلى القبور بدل تلوين عظامها المتناثرة لعشب الأرض إلى اليوم. لم يبق لنا سوى هذا الخيار، وحينها وإلى ذلك المصير نحتسب أمرنا إلى الله والتاريخ”..
عدنا أدراجنا مع نهاية الظهيرة. الكل عاد إلى طبيعته. النداء مازال قائما. المصالحة مع التاريخ. الحقيقة. الحفرة … كان آخر ما تلقفته أسماعنا ونحن في طريق العودة: ”إلى عام آخر من ذكرى جديدة، قد يأتي معه برياح تغيير وقد لا”..

المصدر :المسيلة: بن حليمة البشير
2009-05-30
http://www.elkhabar.com/quotidien/?i...nsert=20090529